تاريخ الدولة العثمانية يقدّم مثالًا كاشفًا على الكيفية التي يمكن بها أن تتحوّل التجربة الروحية من مجال تزكيةٍ فردية وجماعية إلى أداة ولاءٍ سياسي، ثم إلى تهمةٍ تُدفع بها جماعةٌ كاملة ثمن صراع الدولة على السيطرة. وتأتي علاقة البكتاشية بالإنكشارية في قلب هذا المثال: حيث تداخلت الرموز الصوفية مع مؤسسة السلاح، فصار “الذِّكر” جزءًا من هندسة الانضباط العسكري، وصارت “الطريقة” شبكة حمايةٍ ونفوذ، ثم انتهى الأمر إلى قطيعةٍ دموية حين قرّرت الدولة قطع الجسر بين الروح والسلاح.
تعود البكتاشية في أصولها إلى المجال الأناضولي المرتبط باسم حاجي بكتاش ولي (القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي)، ثم تطورت عبر قرونٍ داخل بيئةٍ عثمانية شديدة الحساسية تجاه توازنات المذاهب والطرق. ومع اتساع الدولة وتكوّن جيشها النظامي، برزت الإنكشارية بوصفها نخبة المشاة، ذات تنظيمٍ صارم وامتيازاتٍ اجتماعية وسياسية متنامية. في هذا السياق نشأت صلةٌ مخصوصة بين الإنكشارية والبكتاشية، ليست مجرد “تقارب روحي”، بل تماس مؤسسي: فالطريقة قدّمت إطارًا رمزيًا للتماسك والهوية، والجيش قدّم للطريقة حمايةً وانتشارًا وموقعًا معتبرًا داخل الدولة.
كانت الروحانية هنا تؤدي وظيفةً مزدوجة: تُعطي الفرد معنىً فوقيًّا للانضباط والطاعة، وتُعطي الجماعة طقسًا يوحِّد القلوب تحت لواء “الأخوة” و”العهد”، بما يجعل الولاء يتجاوز القائد العسكري إلى منظومةٍ رمزية واسعة. وحين تُدمج الرموز الدينية في جهاز السلاح، يتغيّر مفهوم السلطة: فليس المطلوب فقط طاعة الأمير، بل طاعة “المعنى” الذي يبرّر الامتيازات ويحصّنها. وهكذا تحوّلت العلاقة—بحكم الزمن—إلى تواشج نفوذ: الإنكشاري يجد في الرابطة الروحية غطاءً اجتماعيًا وهويةً جمعية، والبكتاشي يجد في المؤسسة العسكرية سندًا ضد خصومه من فقهاء أو طرق منافسة، أو ضد تقلبات المزاج السياسي.
غير أن هذا التزاوج بين الروح والسلاح لا يبقى بريئًا طويلًا. فالإنكشارية، التي كانت في بداياتها عمادَ توسع الدولة، تحولت تدريجيًا إلى قوةٍ مقاومة للإصلاح، تعترض على تحديث الجيش وتقليص امتيازاته. ومع مطلع القرن التاسع عشر تصاعدت حاجة الدولة إلى جيشٍ جديد على النمط الأوروبي، فدخل السلطان محمود الثاني في صدامٍ حاسم مع الإنكشارية. وفي يونيو/حزيران 1826 وقع الحدث المفصلي المعروف بـ“الواقعة الخيرية” (Vaka-i Hayriye): تم قمع تمرد الإنكشارية بعنفٍ شديد، وضُربت ثكناتهم بالمدافع، وقُتل وأُعدم وأُبعد عدد كبير منهم، وأُلغي الفيلق رسميًا ليُستبدل بقوةٍ عسكرية جديدة.
لكن ما يهمّنا هنا ليس نهاية الإنكشارية فقط، بل ما تلاها مباشرة: امتدّ منطق الإلغاء إلى البكتاشية بوصفها “الظل الروحي” للمؤسسة العسكرية الملغاة. فالدولة، وهي تعيد تشكيل مركزها الصلب، رأت في استمرار الطريقة خطرًا رمزيًا وسياسيًا: شبكةٌ اجتماعية واسعة قد تحفظ الذاكرة الإنكشارية، وتبقي ولاءاتٍ موازية، وتوفر إمكانات تعبئةٍ في المستقبل. لذلك اتجهت السياسة الرسمية إلى تفكيك هذا الارتباط عبر إجراءاتٍ استهدفت البنية المادية والرمزية للبكتاشية: إغلاق التكايا، تحويل بعضها إلى مساجد، مصادرة الأوقاف والإيرادات، نفيُ عدد من الشيوخ والدراويش إلى مناطق يغلب فيها نفوذ الفقه السني الرسمي، بل ووقعت عقوبات قاسية شملت الإعدام والنفي والمراقبة، مع تسويغٍ ديني يصف المعتقدات البكتاشية بأنها “خارجة عن الاستقامة السنية”.
وهنا تتجلى آلية “تسييس الروح” بأوضح صورها: حين كانت الطريقة نافعةً في بناء هوية عسكرية وإمبراطورية، تمتعت بحمايةٍ وانتشار. وحين صار ارتباطها بجيشٍ متمرّد خطرًا على الدولة، تحولت الروحانية نفسها إلى ملف أمني وعقدي يُحسم بقراراتٍ عليا. ووفق بعض الدراسات، لم تكن الحملة مجرد إجراء إداري، بل رافقها خطاب “تصحيح العقائد” لإضفاء شرعية دينية على عملية تفكيك شبكة الولاء القديمة.
مع ذلك، لا ينتهي التاريخ عند 1826. فقد شهد القرن التاسع عشر لاحقًا درجاتٍ من التخفيف وإعادة الاندماج؛ إذ لم تختف البكتاشية من المجتمع العثماني تمامًا، بل عادت بصورةٍ أو بأخرى مع تغيرات السلطة وتبدل الأولويات، وإن ظلّت علاقتها بالدولة محكومة بحذر. ثم جاء القرن العشرون، ومعه تحولات تركيا الحديثة، لتغلق التكايا والزوايا رسميًا في إطار مشروع علمنة الدولة، بينما استمرت البكتاشية بأشكالٍ متنوعة في البلقان—خاصةً في ألبانيا—ضمن مساراتٍ تاريخية مختلفة.
إن خلاصة هذا المشهد ليست حكمًا على التصوف في ذاته، بل درسٌ في التاريخ السياسي: حين تُربط الشرعية الروحية بمؤسسة السلاح، تتحول العبادة إلى رمز ولاء، وتتحول الطرق إلى شبكات نفوذ، ثم لا تلبث أن تُستعمل كأوراق تُرمى حين تتغير خرائط القوة. وفي ذلك يتضح كيف يمكن لـ“الذكر” أن يُستدعى لتقوية الدولة، ثم يُجرَّم حين يصبح عنوانًا لذاكرةٍ تُخيف الدولة.



