احتلّ المغول في القرن السابع الهجري أجزاء واسعة من العالم الإسلامي، وعاثوا فيها فسادًا، وأثاروا الرعب في جميع أنحائه، كان يكفي أن تُذكر كلمة "مغول" أو "تتار" ليصاب المرء بالخوف والهلع، وفي سنة 656هـ (1258م) ارتكب المغول جريمتَهم الكبرى باحتلال عاصمة الخلافة الإسلامية، بغداد، وإبادة أهلها، وقتل الخليفة العباسي المستعصم بالله، وتدمير كل ما وصلت إليه أيديهم من شجر وحجر وورق.
لكن في مقابل هذه الهمجية والوحشية مع أمة الإسلام وأهل السنة، "تسامح" المغول مع أتباع الفرق المخالفة لأهل السنة، وخاصة منهم الصوفية المنحرفة، "التيار الصوفي علا نجمه بعد اجتياح المغول لبلدان العالم الإسلامي وإسقاطهم للخلافة العباسية؛ لأن هذا الحدث الجلل تسبب في أفول نجم النظام السني في ظل الحكم الجديد الطارئ؛ لكون الخلافة العباسية كانت هي الراعية لذلك النظام، وبأفول نجم النظام السني خلت الساحة الدينية من أي منافس قوي أمام التيار الصوفي"([1]).
والمغول "كان شعورهم بأهمية التيار الصوفي مبكرًا، كما أيقنوا في الوقت نفسه مدى الخدمات الكبيرة التي سيقدمها إليهم التيار على المستوى السياسي إن أحسنوا وأجادوا التعامل معه، والذي سيساعدهم ويسهل عليهم حكم البلاد الإسلامية مستقبلاً"([2]).
وقبل أن نتحدث عن السياسة التي اتّبعها المغول لتمكين الصوفية المنحرفة، أو الخدمات التي قدّمتها الصوفية للمغول، نلفت إلى ما ذكره بعض الباحثين من أن الصوفية -التي كانت واسعة الانتشار في بلاد فارس والعراق وفي غيرهما- أوجدت البيئة الخصبة للاجتياح المغولي للبلدان الإسلامية، من خلال العقيدة الفاسدة التي زرعتها بين أتباعها بالاستغاثة والاستعانة بغير الله، وإضعاف الوازع الديني المتصل بالفقه الإسلامي مباشرة، حتى قال شاعرهم:
يا خائفين من التتر
عوذوا بقبر أبي عمر
ينجيكمو من الضرر([3]).
وكما ساهم التصوف المنحرف من تخدير الناس وحملهم على الخمول والكسل والتسليم للاحتلال المغولي بوصفه قدر الله ولا بد من الرضي به وحبه!
وبناء على ما سبق؛ فإن "التتر عرفوا للصوفية فضلها في انتصاراتهم التدميرية، وقدّروها كثيرًا، وأعطوها مركزًا مرموقًا جعلها تهيمن على كل البلاد التي اجتاحها التتر، وقد جلّى هذه الحقيقة أحدُ مشايخ الرفاعية، هو صالح بن عبد الله البطائحي، عندما قال في صراحة تامة لابن تيمية في مناظرته له في مصر سنة 705هـ / 1305م: نحن ما ينفق حالنا إلاّ عند التتر، وأما عند الشرع فلا"([4]).
وفور احتلالهم للعراق، أخذ المغول بالتعامل مع "الملف" الصوفي وفق عدد من الإجراءات، نوجزها فيما يأتي:
1- ربط التيار الصوفي بالمؤسسة السياسية، أي "مأسسة" التيار الصوفي، حيث صار منصبا "شيخ الشيوخ" و"شيخ الرباط" من المناصب الرسمية للدولة المغولية، وتم تقليد شيوخ الصوفية مناصب مهمة وتكليفهم بمهمات رسمية مثل القضاء والتدريس وشؤون الوقف([5]).
2- إعلاء شأن التيار الصوفي، من خلال رعاية مؤسساتهم وتكاياهم وأوقافهم، والمحافظة عليها، وبناء مؤسسات جديدة، والاهتمام بمؤلفاتهم، واحترام شيوخهم وطقوسهم، بل وصل الأمر ببعض قادة المغول وأمرائهم لممارسة بعض الطقوس الصوفية([6]).
المولوية والمغول وغير بعيد عن بلاد فارس والعراق، كان المغول والصوفيون ينسجون علاقات الود والولاء في سوريا وتركيا، من خلال الطريقة المولوية التي تنتسب إلى جلال الدين الرومي (604 - 672هـ)، المعروف عند أصحابه باسم مولانا أو مولوي، "فيُذكر مثلاً عند استيلاء المغول على حلب أن خانكاهات الصوفية وتكاياهم كانت تعتبر عند المغول أماكن مقدسة يحرم عليهم التعدي عليها، وكذلك الأمر بالنسبة لليهود"([7]).
وتوطدت علاقة المولويين بالمغول بعد لقاء الرومي بالقائد المغولي بايجو نويان في قونية (مدينة في تركيا)، وكان المغول يصادرون من الناس بيادر القمح، ويستثنون ما كان للرومي أو لأقربائه وأتباعه([8]).
وبسبب كرهه للخلافة العباسية ودولة السلاجقة السنيّة احتفى جلال الدين الرومي بالمغول ودولتهم وفرح بانتصارهم وكان يقول: "كان المغول يوم جاؤوا هذه البلاد عراة، مراكبهم الثيران، وأسلحتهم من خشب، أما اليوم فقد تعالوا ، يملكون أعرق الخيول العربية، وخير الأسلحة لديهم ... قد أعانهم الله يوم كانوا في حالة من الضعف، يوم كانت قلوبهم منكسرة وأجسامهم هزلى، فتقبل الله تضرعاتهم(!).. لم ينصرهم الله ويُعلي أمرهم لقوتهم في أنفسهم، بل بعون منه ما جعلهم الأعلين،.."([9]).
وكان جلال الدين الرومي وشيخه شمس الدين التبريزي يغضبان من كل من يحاول أن يعلن حولهما أو في مجلسهما العداء للمغول، أو أن يحدّث الناس بمظالمهم، وعندما لم يستطع أنصار الرومي وأتباعه إنكار ممالأته للمغول أخذوا باختلاق الأعذار له من قبيل القول بأنه كان يفعل ذلك ترغيبًا لهم في الدخول في الإسلام([10]).



