نشرت وسائل إعلامية في شهر شباط/ فبراير من العام الحالي 2026م أنباء عن زيارة علنية قام بها وفد من مشايخ صوفية من دول أفريقية مثل السنغال ومالي وساحل العاج وبنين والكاميرون إلى الكيان الصهيوني، والتقوا خلالها رئيس الكيان إسحاق هرتزوغ لتعزيز التعايش والسلام والحوار بين الأديان.
أثارت هذه الزيارة صدمة عدد كبير من المسلمين واستنكارهم، إذ كيف تقوم فئة تنتسب إلى الإسلام بزيارة إلى هذا الكيان الذي يرتكب المجازر بحق الفلسطينيين وغيرهم من المسلمين، ويمعن في إذلالهم والتنكيل بهم، ويستمر في احتلال أراضيهم، وتهجيرهم، وتدنيس مقدساتهم، وهدم مساجدهم، وغير ذلك من مختلف صنوف الإبادة الاضطهاد والأذى؟!
لكنّ شيئًا من الاستغراب قد يزول إذا علمنا أن هذه الزيارة ليست الوحيدة التي يقوم بها شيوخ طرق صوفية أو ممثلون عنها للكيان الصهيوني، فقد سبقتها زيارات عديدة ومن سنوات طويلة، مثل تلك التي قام بها وفد من أئمة الجاليات الإسلامية من عدة دول أوروبية، من بينها فرنسا وبلجيكا وهولندا وإيطاليا وبريطانيا، في شهر تموز/ يوليو من عام 2025م والتقوا خلالها رئيس الكيان في مقر إقامته بـتل أبيب، وقد ذهل المسلمون عندما رأوا بعض هؤلاء الأئمة يرددون النشيد الصهيوني "هاتيكفاه" - الذي يعني الأمل - بأسلوب شبيه بإنشاد المدّاحين الصوفيين([1]).
ومن الزيارات الصوفية البارزة والعلنية للكيان الصهيوني تلك التي قام بها عدد من صوفية السنغال، من أعضاء (جمعية أئمة وعلماء السنغال)، بينهم أمينها العام عمر دياني في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2013([2]).
ومن ضمن ما تضمنته رحلة الوفد الصوفي السنغالي القديمة زيارة متحف (ياد فاشيم) المقام في القدس المحتلة لتخليد ذكرى "ضحايا الهلوكوست".
وقد صرّح عمر دياني هذا عقب زيارة المتحف - بحسب ما جاء في صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية-: "لقد تعلمنا اليوم من أسوأ عمل في التاريخ، ألا وهو إبادة اليهود في أوروبا، هذا العمل الذي لا يمكن لنا أن نجد له تفسيراً ... نحن جميعًا بشر متساوون رغم اختلافنا في العرق والدين والجنس، وليس هناك أي مسوغ ديني يبيح قتل مَن هم مختلفون عنا وإبادتهم. لقد ساعدتنا هذه الجولة هنا في هذا المتحف لأن نفهم وبعمق حقيقة إسرائيل واليهود، وإننا نبارك العلاقات بين السنغال وإسرائيل"([3]).
وفي تفسيرٍ لهذه الزيارة الصوفية إلى الكيان الصهيوني والحزن على "مظلومية" اليهود، يقول مقال مجلة الفرقان: "للتصوف المعاصر ولعلماء الصوفية المعاصرين وأتباعهم آراء عجيبة ينفردون بها ويغردون بها خارج الإطار القيمي الإسلامي العام، وإضافة لهذه الآراء فإن لهم أفعال شنيعة، ومنها- على سبيل المثال- التقرب من غير المسلمين، وموالاتهم في أحايين كثيرة، ولم يقف الأمر عند أولئك المسالمين للمسلمين، بل وللمحاربين من اليهود والنصارى، والأمر ليس قاصراً على صوفية بلد معين بل الأمر شائع في مختلف البلدان الإسلامية إلا القليل منهم. والزيارة التي قام بها عدد من المتصوفة السنغاليين إلى إسرائيل مؤخراً تعد دليلا صريحاً على هذا الأمر"([4]).
بالتأكيد؛ يمثل الرأي السابق جزءًا مهمًا لفهم علاقة الصوفية بالاحتلال أو بالجهات المعادية للمسلمين، لكن جوانب أخرى تفسّره بشكل أوضح وأعمق:
1- يرى الصوفية أن من الرضى بالقدر الاستسلام لكل ما يجري على الإنسان، بحيث لا يطلب خلاف ما يجري عليه، ولا يدفع شيئا من المكروه.
2- يمثل هذا الاحتفاء الصهيوني بالصوفية انعكاسًا لتوصيات مراكز الدراسات الغربية، ومنها مؤسسة راند ومركز نيكسون في الولايات المتحدة الأمريكية، بدعم الصوفية واحتضانها ورعاية أنشطتها وطقوسها باعتبارها جماعة معتدلة ومتسامحة ومنسجمة مع القيم الغربية في مواجهة الجماعات والتيارات الإسلامية الأخرى التي يعتبرها الغرب والولايات المتحدة متطرفة وأصولية وإرهابية.
3- إن ارتماء الصوفية في أحضان الاحتلال والاستعمار ليس وليد اللحظة، فيذكر الشيخ إحسان إلهي ظهير، رحمه الله، شيئا من ذلك الارتماء المتمثل بالخدمات "الجليلة" التي قدمتها الطريقة الصوفية التيجانية للاستعمار الفرنسي خلال احتلاله للشمال الأفريقي، يقول الشيخ ظهير: "قام التجانيون في الجزائر والمغرب بالدفاع عن الاستعمار الفرنسي، وتحريض المسلمين على الخنوع والخضوع أمامهم، وتسليم البلاد بأيديهم بدون قتال ولا جدال، ومنعهم عن المحاربة والوقوف أمامهم ... قال الشيخ سيدي محمد الكبير صاحب السجادة الكبرى "التجانية"، وهو "خليفة" الشيخ أحمد التجاني الأكبر مؤسس هذه الطريقة، وهذا "الخليفة" يسيطر على جميع أرواح "الأحباب" المريدين التجانيين في مشارق الأرض ومغاربها ... إنه من الواجب علينا إعانة حبيبة قلوبنا ماديًّا وأدبيًّا وسياسيًّا، ولهذا فإني أقول لا على سبيل المنّ والافتخار، ولكن على سبيل الاحتساب والتشرف بالقيام بالواجب... ففي سنة 1838 كان جدي سيدي محمد الصغير - رئيس التجانية يومئذ- أظهر شجاعة نادرة في مقاومة أكبر عدو لفرنسا، الأمير عبد القادر الجزائري، ومع أن هذه العدو -يعني الأمير عبد القادر- حاصر بلدتنا عين ماضي، وشدد عليها الخناق ثمانية أشهر، فإن هذا الحصار تم بتسليم فيه شرف لنا نحن المغلوبين، وليس فيه شرف لأعداء فرنسا الغالبين، وذلك أن جدي أبى وامتنع أن يرى وجهًا لأكبر عدو لفرنسا، فلم يقابل الأمير عبد القادر!
وفي سنة 1684 كان عمي سيدي أحمد -صاحب السجادة التجانية يومئذ- مهّد السبيل لجنود الدوك دوماك، وسهل عليهم السير إلى مدينة بسكرة، وعاونهم على احتلالها..."([5]).
4- كما يشكل انفتاح الاحتلال الصهيوني على تجمعات صوفية منحرفة ودعمه لها في إطار سياسته في مد الجسور واحتضان الفرق والجماعات المخالفة لأهل السنة، ومنها القاديانية والبهائية والدروز.



