مدارك — الصفحة الرئيسيةمجلة شهرية علمية
في بيان حقيقة الصوفية
خزانة الوثائق

خرائط النفوذ الناعم: كيف تعيد مؤسسة طابة تقديم تقرير راند بلغةٍ عربيةٍ مأمونة؟

هيئة تحرير مجلة مدارك 3 دقائق قراءةشعبان 1447 هـيناير 2026 م 11
خرائط النفوذ الناعم: كيف تعيد مؤسسة طابة تقديم تقرير راند بلغةٍ عربيةٍ مأمونة؟

يقدّم بحث مؤسسة طابة المعنون «توصيات بدعم التيارات المعتدلة في المجتمعات والجاليات المسلمة: ملخص تحليلي لتقرير مؤسسة راند (2007)» نموذجًا لافتًا لوظيفةٍ فكرية تقع بين الترجمة والتحليل: فهو لا يكتفي بعرض خلاصات تقرير أمريكي سياساتي عن “بناء شبكات إسلامية معتدلة”، بل يسعى—بحسب ما يصرح في مقدّمته—إلى تزويد العلماء وقادة الرأي بـ“معلومات خلفية وتحليلات” تساعدهم على فهم ما يجري في “الفضاء العام المشترك” وصوغ خطاب واعٍ (ص 1). هذه النية المعلنة تمنح الوثيقة أهمية خاصة: فهي ليست ورقة بحثية محايدة، بل مفصلٌ وسيط بين إنتاجٍ سياساتي غربي وبين جمهورٍ إسلامي نخبوّي.

يبدأ الملخص بتثبيت الفرضية المركزية لراند: انتشار “التفسيرات الراديكالية” مع كون أصحابها أقلية، وتفسير تفوقهم بعاملين: المال والتنظيم (ص 2). هنا تظهر أول نقطة نقدية: تحويل الظاهرة الدينية إلى معادلة موارد وشبكات. هذا التفسير قد يضيء جانبًا من الواقع، لكنه—إن انفرد—يُهمل جذورًا اجتماعية وسياسية أعمق: الاستبداد، الفساد، الحروب، انهيار العدالة الاجتماعية، وموجات الإقصاء التي تجعل “الاحتجاج” قابلاً للتديّن. الوثيقة تُشير إلى “عدم الرضا بالأوضاع الراهنة” لكنها تميل سريعًا إلى هندسة “الشركاء” بدل مساءلة البنية التي تنتج الغضب.

ثم يتقدم النص إلى أكثر مقاطعه حساسية: تعريف “المعتدل”. يذكر الملخص أن راند ترى أن تحديد المعتدلين الحقيقيين عقبة كبرى، وأن الولايات المتحدة وحلفاءها بحاجة إلى “معايير واضحة” للشراكة (ص 3). بعد ذلك يسرد أربع خصائص: الديمقراطية، تقبل مصادر قوانين غير طائفية، احترام حقوق المرأة والأقليات، ومناهضة الإرهاب (ص 3–4). المشكلة ليست في كل بندٍ على حدة، بل في منطق التعريف نفسه: الاعتدال يُعرَّف بما يصلح “للعقد والتحالف”، لا بما يقوم عليه التدين الصحيح في ضمير مجتمعه. فالاعتدال هنا ليس مفهومًا معرفيًا نابعًا من أصول الإسلام وتاريخه الفقهي، بل تصنيف وظيفي يلتقط من التدين ما يخدم هندسة المجال العام وفق تصور دولي معيّن.

وتتضح هذه النزعة حين ينقل الملخص قول راند: إن مصدر الفلسفة السياسية—غربيًا كان أم “قرآنيًا”—لا يهم، المهم أن يكون التأييد للتعددية وحقوق الإنسان المعترف بها دوليًا “واضحًا وصريحًا” (ص 4). هذا المنطق يُنزِل النصوص الشرعية منزلة “مستودع تبريري” يمكن استدعاؤه لتسويغ نتائج مسبقة، بدل أن تكون النصوص والأصول معيارًا حاكمًا على النتائج. وإزاء حديث راند عن “الإجماع” يضيف ملخص طابة تنبيهًا مهمًا: المقصود ليس إجماع أهل الحل والعقد، بل العامة والجماهير (ص 4). وهذه ملاحظة دقيقة تكشف انزياح المصطلح من دلالته الأصولية إلى معنى “الرأي العام”، بما يبدّل نظام الاستدلال الشرعي إلى منطق استطلاع سياسي.

وفي بند “القوانين غير الطائفية” يذكر الملخص أن راند تجعل الحد الفاصل بين المعتدل والراديكالي في الدول ذات القوانين الغربية هو “وجوب تطبيق الشريعة أو عدمه” (ص 5). هنا يتبدّى اختزال بالغ: فالشريعة ليست شعارًا أحاديًا، بل منظومة مقاصد وأحكام واجتهادات تاريخية متعددة. تحويلها إلى علامة استقطاب يسهّل هندسة التحالفات لكنه يفقِر النقاش العلمي ويستعدي الحس الديني في المجتمعات المسلمة.

مع ذلك، لا يُنصف القارئ البحث إن أغفل إشاراته النقدية الداخلية. فالملخص يعلّق—في موضع حديث راند عن المرأة—بأن كثيرًا من المسلمين يقرّون بحقوق التعليم والرعاية الصحية، وأن السنة العملية تؤيد تعليم النساء، وأن الفقهاء أجازوا معالجة المرأة عند الطبيب عند الحاجة (ص 6). هذه اللمحات تُظهر أن طابة لا تبتلع الإطار الغربي بالكامل، لكنها في الوقت نفسه تتحرك داخل حدوده: تقبل بنقطة البداية (سياسة بناء الشبكات) ثم تحاول تهذيب التفاصيل وتفكيك بعض التعميمات.

ومن هنا يمكن تقديم قراءة نقدية مركّبة: قوة الوثيقة في أنها تكشف مبكرًا عن كيفية تفكير مراكز السياسات في “صناعة الاعتدال” بوصفه شبكة وشريكًا. أما هشاشتها فتظهر حين يتحول الاعتدال إلى بطاقة اعتماد، وحين تُعاد صياغة المصطلحات الإسلامية (كالإجماع والشريعة) لتخدم خرائط جاهزة. وبين القوة والهشاشة يبقى السؤال الأكبر: هل يمكن لمؤسسة معرفية أن تُترجم هذا النوع من التقارير دون أن تُسهم—ولو بغير قصد—في ترسيخ منطقه؟ أم أن الترجمة التحليلية نفسها تصبح جزءًا من “المعركة على تعريف الإسلام المقبول” في الفضاء العام؟




المصادر والإحالات

  1. مؤسسة طابة: توصيات بدعم التيارات المعتدلة في المجتمعات والجاليات المسلمة – ملخص تحليلي لتقرير مؤسسة راند (2007) (PDF)
  2. RAND Corporation: Building Moderate Muslim Networks (MG-574) – Summary (كما أحال إليه بحث طابة)
  3. RAND Corporation: Building Moderate Muslim Networks (MG-574) – صفحة التقرير الأساسية

من باب خزانة الوثائق

«لباس الفتوة»: بين نصرة المظلوم وتوظيف السلطة
خزانة الوثائق

«لباس الفتوة»: بين نصرة المظلوم وتوظيف السلطة

ليست رسالة (لباس الفتوة) لعلي بن محمد بن محمد بن وفا، أبي الحسن القرشي الأنصاري الشاذلي المالكي، مجرد نص صوفي قديم في آداب المريدين أو رمزية الثياب؛ بل هي وثيقة كاشفة عن معنى عميق كان حاضرًا في بعض أدبيات التصوف القديم:…

د. دعاء أحمد8 دقائقالعدد 7
رسالة في دوران الصوفية وثيقة في الدفاع عن الذكر الحركي وموقف النقد الشرعي منه
خزانة الوثائق

رسالة في دوران الصوفية وثيقة في الدفاع عن الذكر الحركي وموقف النقد الشرعي منه

تفتح «رسالة في دوران الصوفية» نافذة مهمة على جانب من الجدل الذي دار في القرون المتأخرة حول بعض الممارسات الصوفية المنتشرة، وبخاصة ما عُرف بالدوران في مجالس الذكر. والرسالة منسوبة إلى علي بن محمد الميلي الجمالي المغربي…

د. دعاء أحمد4 دقائقالعدد 6
تحقيق مخطوطة نفحات القرب والاتصال بإثبات التصريف لأولياء الله تعالىٰ والكرامات بعد الانتقال
خزانة الوثائق

تحقيق مخطوطة نفحات القرب والاتصال بإثبات التصريف لأولياء الله تعالىٰ والكرامات بعد الانتقال

تندرج رسالة «نفحات القرب والاتصال بإثبات التصريف لأولياء الله تعالىٰ والكرامات بعد الانتقال» ضمن النصوص الصوفية المتأخرة التي تكشف بوضوح عن أحد المسارات المركزية في الجدل الصوفي، وهو الانتقال من مجرد إثبات كرامات…

د. دعاء أحمد6 دقائقالعدد 5

أعجبك هذا المستوى من التحرير؟

اشترك ليصلك كل عدد فور صدوره — إشعار واحد شهريًا.