يُعدُّ محيي الدين محمد بن علي بن عربي (ت 638هـ) من أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ التصوف الإسلامي، كما أنه من أكثرها إثارةً للخلاف بين المتصوفة أنفسهم؛ فقد انقسمت المواقف منه بين من عظَّمه وعدَّه إمامًا في المعرفة والولاية، وبين من اشتد إنكاره على بعض آرائه وعباراته، ولا سيما ما تضمنته بعض مؤلفاته من مصطلحات وإشارات عُدَّت من المشكلات العقدية.
وتُعدُّ حضرموت من البيئات التي ازدهر فيها التصوف، وامتد أثره إلى كثير من أقطار العالم الإسلامي، ولذلك فإن دراسة موقف صوفيتها من ابن عربي تكشف جانبًا مهمًا من طبيعة المدرسة الصوفية الحضرمية، ومدى تأثرها بالتراث الفلسفي.
ومن خلال استقراء مصادرهم يتبين أن موقفهم لم يكن موقفًا واحدًا، وإنما اتسم بقدرٍ من التركيب؛ إذ جمعوا بين تعظيم شخص ابن عربي والإقرار بعلو منزلته في الولاية والعرفان، وبين التحذير من مطالعة كتبه لعامة الناس والمبتدئين، خشية الوقوع في سوء الفهم أو ادّعاء المقامات التي لم يبلغوها.
فأما تعظيمهم لابن عربي، فقد جاءت به نصوص كثيرة في مصادرهم، تدل على أنهم كانوا يرونه من كبار أولياء الله وأئمة المعرفة، فقد ذكر العيدروس في "النور السافر" حكايةً قال عنها: "حكاية غريبة وقعت للشيخ ابن عربي تدل على فضله العظيم أذكرها هنا تيمّنا بذكره واستشعارًا بعظيم قدره"( )، مما يكشف عن المكانة التي كان يحظى بها عند كثير من أعلام حضرموت.
بل إن بعضهم صرّح بأنه لو أدرك ابن عربي لاعتقد ولايته وكمال قربه من الله، فقال: "ولو أدركتُ ابن عربي رحمه الله تعالى، في حالتي هذه وصحة عقلي وحواسي، وعلومي هذه لاعتقدتُ فيه الولاية وكمال القرب والمعرفة بالله تعالى، ولم أخرج من تحت دائرته"( ).
وانعكس هذا التقدير أيضًا في تراجم عدد من علماء حضرموت، فقد جاء في وصف عبد الرحمن بن علي السقاف بأنه "كان له اعتناء تام بكتب الحقائق لا سيما كتب الشيخ الأكبر محمد بن عربي"( )، وهو ما يدل على أن كتب ابن عربي كانت تمثل عند طائفة من صوفية حضرموت مرجعًا من مراجع المعرفة الصوفية، وأن الاشتغال بها كان يعد من خصائص أهل التحقيق عند هذا الفريق.
غير أن هذا التعظيم لم يكن يعني فتح الباب أمام الجميع لقراءة مؤلفات ابن عربي، بل إن الناظر في المصادر الحضرمية يجد اتجاهًا واضحًا في التحذير من مطالعة كتبه، ولا سيما الفتوحات المكية وفصوص الحكم.
يقول أبو بكر العدني: "ما قط انتهرني والدي إلا مرة لما رأى الفتوحات المكية لابن عربي معي نهرني نهرة قوية"( )، في مشهد يكشف مقدار الاحتياط الذي كان يبديه بعض صوفية حضرموت تجاه هذه المؤلفات.
كما سئل عبد الله بن محسن العطاس عن كتب ابن عربي فقال: "لا تفيد إلا من كان سائرًا في تلك الطريق التي يصفها الشيخ ويتكلم عليها، وأما من ليس في تلك الطريق فلا تفيده شيئًا"( ).
والحقيقة أن هذا النهي عن مطالعة كتب ابن عربي ليس ناشئًا عن اتهام ابن عربي في دينه أو القدح في منزلته، وإنما عللوه بأن كتبه من دقائق العلوم الذوقية التي لا يحسن فهمها إلا من رسخت قدمه في الشريعة، واستكمل آداب السلوك، وتلقى تلك المعارف عن شيخ محقق. ولهذا قال صاحب كنز البراهين الكسبية في ترجمة عبد الله بن أبي بكر السقاف: "ينهى أصحابه عن مطالعة الفتوحات المكية والفصوص ويأمرهم بحسن الظن في الشيخ محيي الدين ابن عربي واعتقاد أنه من أكابر الأولياء العارفين، وما ذاك إلا لعلوها عن فهم العموم وغموض معانيها عن كثير من الفهوم بخلاف كتب حجة الإسلام فإنها تصل إلى فهم معانيها عموم الأفهام، ويشترك في الوصول إلى العلم بها الخاص والعام"( ) فهذه العبارة ترسم المنهج الذي استقر عليه كثير من صوفية حضرموت؛ إذ جمعوا بين أمرين متلازمين: تعظيم ابن عربي، ومنع عامة الناس من الخوض في كتبه.
ويؤكد هذا المعنى أيضًا ما جاء في عقد اليواقيت الجوهرية، إذ نصّ مؤلفه على أن "كتب الشيخ محمد بن عربي والشيخ عبد الكريم الكيلاني وبعض منظوم الشيخ عمر بن الفارض وأضرابهم فكان الأئمة المقتدى بهم يحذرون منها مخافة الافتتان بها لا سيما من لم يبلغ مقام ذوق الحقائق العرفانية فيفهم منها خلاف ما وضع له حقيقة اللفظ"( )، ثم أتبع ذلك بقاعدة عامة في تفسير عبارات الصوفية فقال: "وللقوم الصوفية، رضي الله عنهم، اصطلاحات توسعوا بها في طريقهم الخاصة أشاروا بها إلى أمور وأحوال حققوها علمًا وعملًا وذوقًا كما حكي عنهم، وفيه غموض لا تبلغه أفهام القاصرين كبعض ما ينقل عن ابن عربي وابن الفارض رضي الله عنهما وأمثاله، فينبغي عدم توجه القصد إلى فهمه ومعرفة حقيقته مع اقتران التسليم لأهله إلا أن يكون بمطالعته على شيخ عارف ذائق رسخت أقدامه في علوم الشريعة وما كوشف به من الحقائق"( ).
وهذه النصوص تدل على أن صوفية حضرموت كانوا ينظرون إلى مؤلفات ابن عربي باعتبارها كتبًا ذات اصطلاح خاص، وأن الخطأ في فهمها هو الذي أوجب الاحتياط منها، لا مجرد وجودها في ذاتها.
ومن هنا نفهم سبب استثناء بعض مؤلفات ابن عربي دون غيرها؛ فقد نقل صاحب عقد اليواقيت أن الإمام عبد الله الحداد استثنى رسالة القدس في مناصحة النفس من بين كتبه، ورأى أنها صالحة للانتفاع، أما بقية مؤلفاته "فلا تصلح إلا لأهلها"( ). أيضًا ما كتبه الإمام عبد الله بن علوي الحداد إلى بعض أصحابه، إذ قال: "لا تعلق خاطرك بالشيخ ابن عربي وأضرابه، فإن ذلك معجزة، وربما دعا بعض الناس إلى الدعوى بما لا يبلغه، وعليك بالعلوم الغزالية"( ).
كما أن هذا الاحتياط لم يكن مقصورًا على مشايخ التصوف منهم، بل وجد صداه عند علماء العقيدة والفقه؛ فقد شبَّه العلامة عبد الرحمن بن عبد الله بلفقيه تحريم قراءة كتب ابن عربي لبعض الناس بتحريم بعض العلماء قراءة بعض كتب العقائد على العوام، فقال عند حديثه عن تفاوت الناس في تحمل العلوم: "وقد حرم بعضهم قراءة أم البراهين عقيدة السنوسي على بعض العوام، وهذا وجه تحريم كتب ابن عربي على قوم دون قوم"( ).
وهذا التشبيه يدل على أن المنع عنده ليس حكمًا مطلقًا، وإنما هو حكم يتغير باختلاف أهلية القارئ واستعداده العلمي.
غير أن استقراء هذه النصوص يقود إلى ملاحظة علمية ذات أهمية، وهي أن التعظيم الذي أظهره صوفية حضرموت لابن عربي لم يكن مجرد تعظيم لشخصه، بل كان في كثير من الأحيان تعظيمًا لمشروعه العرفاني أيضًا؛ إذ لم يقتصر أثره على الثناء المجرد، وإنما ظهر ذلك في النقل عنه، والاستشهاد بأقواله، والعناية بمؤلفاته، وظهور عدد من متصوفيهم الذين تخصصوا في فهمها وشرحها، حتى أصبحت كتب الشيخ الأكبر جزءًا من الموروث المعرفي الذي تداوله عدد من متصوفة حضرموت، وإن ظل هذا التداول محصورًا - في نظرهم - في طبقة خاصة من أهل الذوق والتحقيق. ومن هنا يمكن القول إن التحذير من مطالعة كتبه لم يمنع من استمرار تأثيره الفكري داخل المدرسة الحضرمية، بل ربما كان سببًا في قصر هذا التأثير على نخبة مخصوصة، تتوارث فهمه داخل حلقات التربية الصوفية الخاصة.
على أن هذا المنهج الذي تبناه كثير من صوفية حضرموت يثير إشكالًا علميًا يستحق التأمل والمناقشة؛ إذ إنهم سعوا إلى الجمع بين أمرين: تعظيم ابن عربي والحكم له بالولاية والإمامة في العرفان، والتحذير في الوقت نفسه من قراءة أهم مؤلفاته، بل والتشديد في المنع منها إلا لفئة مخصوصة من أهل الذوق والتحقيق. ولا شك أن هذا الجمع يعكس رغبتهم في المحافظة على مكانة ابن عربي من جهة، وصيانة عامة الناس من آثار كتبه من جهة أخرى، غير أن هذا المسلك يظل بحاجة إلى مراجعة علمية؛ لأن الحكم على المؤلفات لا ينفصل عن الحكم على مضامينها، كما أن كثرة التحذير منها تكشف عن وجود إشكال حقيقي في عباراتها، لا مجرد قصور في أفهام القراء.
فقد تضافرت نصوصهم على أن كتب ابن عربي قد تفضي إلى الافتتان، وأنها لا تصلح إلا لطائفة مخصوصة، وأنها قد تحمل بعض الناس على دعوى المقامات، أو على فهم الألفاظ على غير مرادها، حتى وصفوا عباراتها بأنها من الغموض بحيث تكون "كالجدار القائم"( ) لا يهتدي إلى معانيها إلا شيخ عارف ذائق.
بل إن الفقيه عمر بن عبد الله بامخرمة صرَّح بأن كتاب الفصوص وما شاكله "مضرة جدًا"( )، وأنه "قد ضل بها من المنتسبين إلى ابن عربي أكثر ممن اهتدى بكثير"( )، وهي شهادة ذات دلالة بالغة؛ لأنها صادرة عن أحد المعظّمين لابن عربي، لا عن أحد خصومه.
وإذا كانت المؤلفات نفسها قد أصبحت – بحسب اعترافهم – سببًا في ضلال أكثر من انتفع بها، فإن الإشكال لا يقتصر على سوء فهم القراء، بل يمتد إلى طبيعة الخطاب نفسه؛ إذ إن البيان الشرعي الذي جاءت به الرسل إنما يمتاز بالوضوح والهدى، كما قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: 195]، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17].
أما جعل أهم كتب التصوف لا يفهمها إلا أفراد معدودون، ولا تُقرأ إلا تحت إشراف شيخ مخصوص، مع الاعتراف بأنها قد توقع أكثر قرائها في الضلال، فإنه يثير تساؤلًا مشروعًا عن مدى موافقة هذا المنهج لأصل البيان الذي قامت عليه الشريعة الإسلامية.
ولهذا فإن الاقتصار على تعليل المشكلة بقصور أفهام القراء لا يبدو كافيًا من الناحية العلمية؛ لأن الكاتب مسؤول أيضًا عن وضوح عبارته، ولا سيما إذا كان يتناول مسائل تمس العقيدة والتوحيد. وقد قرر علماء أهل السنة والجماعة أن الحق لا يمكن أن يكون سببًا غالبًا للضلال، وأن الكلام الذي يكثر بسببه اللّبس والاشتباه، ويؤدي إلى اختلاف الناس في أصول الاعتقاد، أولى بالترك والتحذير، لا سيما إذا أغنى الله الأمة عنه ببيان الكتاب والسنة وكلام أئمة الهدى.
ومن هنا فإن الدراسة الاستقرائية لنصوصِ صوفية حضرموت تكشف عن وجود تلازم واضح بين تعظيمهم لابن عربي وبين شعورهم بخطورة بعض مؤلفاته؛ ولذلك لم يجدوا سبيلًا إلى الجمع بين الأمرين إلا بإغلاق باب القراءة أمام عامة الناس، وقصره على نخبة مخصوصة. غير أن هذا الحل، وإن كان يعبّر عن احتياط تربوي، فإنه لا يرفع الإشكال من أساسه، بل يؤكد أن هذه الكتب تشتمل على مضامين وإشارات تحتاج إلى ميزان النقد العلمي والشرعي، وأن عرضها على أصول الاعتقاد المقررة عند أهل السنة والجماعة يظل ضرورة علمية لا غنى عنها، وبهذا المعيار يكون الاحتكام إلى الوحي وفهم السلف هو الأصل الذي تُوزن به جميع الأقوال والأفعال، مهما علت منزلة أصحابها، إذ العصمة إنما هي لكتاب الله تعالى ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما عداهما فيُقبل منه ويُرد.



