مدارك — الصفحة الرئيسيةمجلة شهرية علمية
في بيان حقيقة الصوفية
مقالات

التصوف في إندونيسيا وأثره في الدعوة

د. أحمد زين النجاح 7 دقائق قراءةربيع أول 1448 هـاغسطس 2026 م 6
التصوف في إندونيسيا وأثره في الدعوة

المقدمة

تُعدُّ إندونيسيا أكبر بلد إسلامي من حيث عدد المسلمين، حيث يقارب 288 مليون في سنة 2026م، وقد دخلها الإسلام منذ قرون على أيدي العلماء والدعاة والتجار، فانتشر بين أهلها انتشارًا واسعًا، وأصبح جزءًا من هويتها الدينية والحضارية. وقد صاحب هذا الانتشار ظهور مدارس واتجاهات متعددة في التدين، من أبرزها التصوف، الذي ترك أثرًا واضحًا في الحياة الدينية والاجتماعية.

وليس المقصود في هذه المقالة دراسة التصوف من جميع جوانبه، ولا تقويم جميع الطرق الصوفية، فقد عرفت إندونيسيا علماء وزهادًا كان لهم فضل كبير في نشر الإسلام وتعليم الناس أمور دينهم، وإنما يقتصر الحديث عن بعض الممارسات التي ظهرت في عدد من البيئات الإندونيسية، ونُسبت إلى التصوف، ثم كان لها أثر في مسيرة الدعوة إلى التوحيد.

وتزداد أهمية هذه الدراسة؛ لأن كثيرًا من تلك الممارسات لم تنشأ من تعاليم أولئك العلماء، وإنما ظهرت بعد وفاتهم، نتيجة امتزاج بعض الموروثات المحلية بالممارسات الدينية، حتى غدا التمييز بين ما هو مشروع وما هو موروث أمرًا يحتاج إلى بيان.

ومن هنا، تسعى هذه المقالة إلى قراءة أبرز مظاهر التصوف في الواقع الإندونيسي، وبيان أثرها في الدعوة، مع الالتزام بالعدل والإنصاف، والتمييز بين مكانة العلماء الذين أسهموا في نشر الإسلام، وبين الممارسات التي أُضيفت إليهم، ولم يقم عليها دليل من الكتاب والسنة.

التصوف في إندونيسيا

يرتبط تاريخ التصوف في إندونيسيا بتاريخ دخول الإسلام إلى الأرخبيل الإندونيسي نهاية القرن الأول الهجري، إذ أسهم عدد من العلماء والدعاة في نشر الإسلام، مع العناية بتربية النفوس وترسيخ الأخلاق الإسلامية. وقد عرفت البلاد عددًا من الطرق الصوفية في وقت مبكر، كان لبعضها حضور في مجال التعليم والوعظ، وأسهم أتباعها في نشر الإسلام في مناطق مختلفة من البلاد.

إلا أن تطور الحياة الاجتماعية، واتساع رقعة الإسلام، وامتزاج المسلمين الجدد بعادات دينية وثقافية سابقة، أدى في بعض البيئات إلى ظهور ممارسات لم تكن معروفة عند أوائل الدعاة، فاختلط عند بعض العامة ما هو من صميم الشريعة بما هو من الموروث المحلي. وقد ظهر ذلك بوضوح في بعض مناطق جاوة وسومطرة، حيث احتفظت بعض العادات القديمة بمكانتها، ثم أُضفيت عليها مع مرور الزمن صبغة دينية.

ومن أبرز النماذج التاريخية أولياء جاوة التسعة، المعروفون محليًا باسم "والي سونجو" (Wali Songo)، الذين كان لهم دور بارز في نشر الإسلام في جزيرة جاوة. وقد أجمع المؤرخون على مكانتهم في الدعوة والتعليم، غير أن بعض الممارسات التي ارتبطت بقبورهم أو أضرحتهم ظهرت بعد وفاتهم بقرون، فلا يصح أن تُنسب إليهم، ولا أن تُعد امتدادًا لمنهجهم في الدعوة والإصلاح.

ولهذا، فإن دراسة التصوف في إندونيسيا لا ينبغي أن تقوم على الحكم على الأشخاص أو الطرق بمجرد أسمائها، وإنما على دراسة الممارسات وآثارها في الواقع. فالعبرة ليست بالانتساب إلى التصوف أو غيره، وإنما بمدى موافقة الأقوال والأعمال للكتاب والسنة، وهو الميزان الذي درج عليه علماء أهل السنة في تقويم جميع الاتجاهات الإسلامية.

ومن هذا المنطلق، فإن الحديث سينصرف إلى أبرز المظاهر التي تركت أثرًا في واقع الدعوة الإندونيسية، دون تعميم الأحكام، أو إغفال الجوانب الإيجابية التي أسهمت في نشر الإسلام وترسيخ قيمه في المجتمع.

مظاهر التصوف في الواقع الإندونيسي

تختلف مظاهر التصوف في إندونيسيا باختلاف البيئات والمناطق، ولذلك لا يمكن الحديث عنها بوصفها ظاهرة واحدة. ومع ذلك، فإن عددًا من الممارسات أصبح أكثر حضورًا في الواقع، وله أثر مباشر في توجيه الخطاب الدعوي، ولا سيما فيما يتعلق بقضايا التوحيد واتّباع السنة.

الغلو في الصالحين

من أبرز هذه المظاهر المبالغة في تعظيم بعض العلماء الذين عُرفوا بدورهم في نشر الإسلام، حتى تجاوز ذلك عند بعض الناس حدود المحبة والاقتداء إلى اعتقاد خصائص لم يثبتها الشرع.

ويظهر ذلك في موسم "باسافا" (Basapa) الذي يقام سنويًا عند ضريح الشيخ برهان الدين الأولكاني (Syekh Burhanuddin Ulakan) في مدينة باريامان بغرب سومطرة. فالشيخ برهان الدين من كبار علماء مينانغكاباو(Minangkabau) ، غير أن الدراسات الميدانية تشير إلى أن بعض الزائرين يقصدون الضريح طلبًا للبركة أو رجاء قضاء الحاجات، وهي ممارسات لا يعرفها تاريخ الشيخ ولا دعوته، وإنما ظهرت في عصور متأخرة.

ويلاحظ مثل ذلك في بعض الزيارات إلى ضريح الشيخ عبد الرؤوف السنكلي (Abdurrauf al- Singkili) ) في إقليم آتشيه(Aceh) ، وهو من أشهر علماء إندونيسيا في القرن الحادي عشر الهجري. وقد تحولت زيارته عند بعض الناس مِن تذكر علمه والدعاء له إلى الاعتقاد بأن لقبره مزية خاصة في استجابة الدعاء أو نيل البركة، مع أن المصادر التاريخية لا تنقل شيئًا من ذلك عن الشيخ نفسه.

وتكشف هاتان الصورتان أن الغلو لا ينشأ من تعاليم العلماء، وإنما من الممارسات التي تُلحق بهم بعد وفاتهم، وهو ما يجعل الدعوة إلى التوحيد مطالبة بإحياء مفهوم الاقتداء بالصالحين في علمهم وعملهم، لا في تعظيم قبورهم أو أضرحتهم.

التبرك بالأضرحة

ومن الظواهر التي اتسع انتشارها في بعض البيئات التماس البركة من الأضرحة، حتى غدا ذلك عند بعض العامة من الأعمال التي يظنونها من وسائل التقرب إلى الله.

وفي جزيرة جاوة لا تزال عادة "نيادران" (Nyadran) تمارس في عدد من القرى قبل شهر رمضان، حيث يجتمع الأهالي لزيارة القبور. والأصل في زيارة القبور أنها مشروعة إذا قصد بها الاتعاظ والدعاء للأموات، إلا أن بعض الدراسات تشير إلى أن هذه المناسبة تقترن في بعض المناطق باعتقادات خاصة، كتخصيص الزيارة بوقت معين، أو تلاوة أدعية وهيئات لم ترد في السنة.

ويبرز مثال آخر في ضريح الشيخ عبد المحيي (Syekh Abdul Muhyi) وما يجاوره من غار سفروادي (Gua Safarwadi)في غرب جاوة، حيث يقصد بعض الزائرين المكان اعتقادًا بأن له خصوصية في نزول البركة أو استجابة الدعاء. وقد أرجع عدد من الباحثين هذه الممارسات إلى بقاء بعض التصورات الشعبية التي امتزجت بالممارسات الدينية عبر مراحل تاريخية متعاقبة.

وتبين هذه النماذج أن الإشكال لا يكمن في زيارة القبور ذاتها، وإنما فيما أضيف إليها من اعتقادات لم يقم عليها دليل، حتى تحولت عند بعض الناس إلى جزء من التدين الشعبي، الأمر الذي استدعى عناية خاصة من الدعاة والمصلحين في إندونيسيا.

أثر هذه المظاهر في الدعوة

لم تقف آثار هذه الممارسات عند حدود الأفراد، بل انعكست على واقع الدعوة في إندونيسيا، وأصبحت من أبرز القضايا التي شغلت جهود العلماء والمصلحين خلال القرن الماضي.

فمن جهة، أسهمت هذه الممارسات في ترسيخ التدين الموروث لدى بعض العامة، حتى أصبح كثير منهم يتلقى بعض العادات والطقوس على أنها من شعائر الإسلام، من غير تمييز بين ما ثبت بالدليل، وما أضيف إلى الدين مع مرور الزمن. ولذلك انصرف جانب من جهود الدعاة إلى تصحيح المفاهيم قبل الانتقال إلى سائر برامج التربية والإصلاح.

ومن جهة أخرى، أضعفت هذه الظواهر مركزية التوحيد في نفوس بعض الناس، إذ تحولت العلاقة ببعض الصالحين من الاقتداء بعلمهم وسيرتهم إلى التعلق بقبورهم أو أضرحتهم، أو الاعتقاد بأن لها خصوصية في جلب البركة أو استجابة الدعاء. وكان من نتيجة ذلك أن أصبح تصحيح مفهوم العبادة من أولويات الخطاب الدعوي في عدد من المناطق.

وفي المقابل، شهدت إندونيسيا منذ مطلع القرن الرابع عشر الهجري حركة إصلاحية واسعة، أعادت التأكيد على أهمية الرجوع إلى القرآن والسنة، وربط الناس بالدليل، وتصحيح المفاهيم المتعلقة بزيارة القبور والتبرك والاستغاثة. ومن أبرز المؤسسات التي حملت هذا المشروع الجمعية المحمدية وجمعية الإرشاد الإسلامية، اللتان أولتا عناية خاصة بنشر التعليم الشرعي، وإحياء عقيدة التوحيد، ومحاربة الخرافات والبدع بالحكمة والموعظة الحسنة.

ومع ما حققته هذه الجهود من آثار ظاهرة في التعليم والدعوة، فإن بعض تلك الممارسات لا يزال حاضرًا في عدد من البيئات، الأمر الذي يؤكد أن الإصلاح العقدي ليس عملًا مؤقتًا، بل هو مشروع علمي وتربوي متجدد، يقوم على البيان، والصبر، ومراعاة أحوال الناس، وربطهم بالكتاب والسنة بعيدًا عن الغلو والجفاء.

الخاتمة

يتبين من هذا العرض أن التصوف في إندونيسيا ليس ظاهرة واحدة يمكن الحكم عليها بحكم عام، وإنما هو واقع متنوع، اجتمعت فيه جوانب أسهمت في نشر الإسلام وتربية النفوس، إلى جانب ممارسات ظهرت في بعض البيئات، وتأثرت بعوامل تاريخية وثقافية، حتى أصبحت جزءًا من التدين الشعبي عند بعض الناس.

وقد أظهرت النماذج التي تناولتها هذه المقالة أن الإشكال لم يكن في العلماء والدعاة الذين كان لهم فضل في نشر الإسلام، وإنما في بعض الممارسات التي نُسبت إليهم بعد وفاتهم، كالغلو في الصالحين، والتبرك بالأضرحة، والاستغاثة بغير الله، وهي ممارسات استدعت عناية العلماء والمصلحين، حفاظًا على صفاء التوحيد، وربطًا للناس بالكتاب والسنة.

كما تؤكد التجربة الإندونيسية أن معالجة هذه الظواهر لا تتحقق بمجرد الإنكار، وإنما تحتاج إلى الجمع بين العلم الشرعي، وفهم الواقع، والحكمة في الدعوة، والعدل في الحكم، مع المحافظة على مكانة العلماء، والاعتراف بجهودهم في نشر الإسلام، والتمييز بين سيرتهم، وبين ما أُلحق بها من ممارسات لم يعرفوها، ولم يدعوا إليها.

ومن هنا، تبقى الدعوة إلى التوحيد، القائمة على العلم والرفق وحسن البيان، هي السبيل الأمثل لترسيخ العقيدة الصحيحة، وصيانة المجتمع من الغلو والخرافة، وتحقيق المقصد الذي بعث الله به رسله جميعًا، وهو إفراد الله تعالى بالعبادة، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم في الاعتقاد والعمل.

نسخة PDF من المادة

من باب مقالات

"اتفاق أبراهام".. توظيف للتصوف وتباين الصوفيين حياله!
مقالات

"اتفاق أبراهام".. توظيف للتصوف وتباين الصوفيين حياله!

أسرة التحريريشكل "اتفاق أبراهام" الذي أعلن في أغسطس 2020 منعطفا خطيرًا في توازن العلاقات بالمنطقة بين الدول العربية وإسرائيل، فالاتفاق الذي جرت مراسم توقيعه بين الإمارات والبحرين وإسرائيل في البيت الأبيض برعاية من…

هيئة تحرير مجلة مدارك6 دقائقالعدد 9
علاماتُ صحَّةِ "القلب السَّليم"
مقالات

علاماتُ صحَّةِ "القلب السَّليم"

1- ملازمة الذِّكرِ: ثمة ارتباطٌ وثيقٌ بين الذِّكر وبين القلبِ، ذلكَ أنَّ الله تعالى قال: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الزمر: 22]، وقال تعالى: ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ…

د. عماد يونس8 دقائقالعدد 9
التوظيف الصوفي للنص
مقالات

التوظيف الصوفي للنص

محور الخلاف بين الإسلام والفكر الصوفي: منزلة الإنسان!فلكل منهما نظرة خاصة إليه، وتطبيق يتبع النظرة، يختلفان جذريا وكليا، ولو أن الصوفية عرضوا فكرتهم عن الإنسان مجردة من النصوص الشرعية -وهو ما يجب؛ لما بين الشريعة…

د. لطف الله خوجة8 دقائقالعدد 9

أعجبك هذا المستوى من التحرير؟

اشترك ليصلك كل عدد فور صدوره — إشعار واحد شهريًا.

قريبًا