أسرة التحرير
يشكل "اتفاق أبراهام" الذي أعلن في أغسطس 2020 منعطفا خطيرًا في توازن العلاقات بالمنطقة بين الدول العربية وإسرائيل، فالاتفاق الذي جرت مراسم توقيعه بين الإمارات والبحرين وإسرائيل في البيت الأبيض برعاية من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ليس أمرا اعتياديا يمكن تجاوزه خصوصا أنه يضفي على الاتفاق طابعا سياسيا "مؤدلجا" عبر توظيف مشروع "الدين الابراهيمي".
فإطلاق تلك التسمية يعود إلى أن إبراهيم عليه السلام هو الأب المشترك للديانات الثلاث الكبرى؛ فيُسمى "أبراهامي" في المسيحية، و"إبراهيم" في الإسلام، و"أبرام" في اليهودية، وبالتالي جرى استحضار شخصية النبي إبراهيم كشخصية اعتبارية ترمز إلى الوحدة بين هذه الديانات.
هذه التسمية أثارت جدلاً كبيرًا حول دلالاتها وأهدافها، فلا يمكن فصل التسمية دون الإمعان في خلفياتها السياسية والفكرية التي تعكس توظيفًا واضحًا للدين والعقيدة والتاريخ.
ومن هنا يجب الوقوف على مصطلح "الديانة الإبراهيمية" ومعرفة أن هذا المسمى يحمل بعدين مختلفين:
الأول: يشير إلى أن الديانات تنتسب إلى النبي إبراهيم عليه السلام.
الثاني: يتم توظيفه في العديد من المبادرات الفكرية والسياسية للإشارة إلى التقارب الديني بين أتباع الديانات الثلاث، ويشدد أهل العلم وذوو الاختصاص على أن هذا البعد يدعو إلى تقليل الاختلافات العقدية بل في بعض الأحيان إلى إزالة هذه الفوارق، وفي أحيان أخرى إلى تجاوزها.
هنا يجب الإشارة إلى أن الإمارات -عبر تبنّيها لمثل هذا المشروع- تهدف إلى بناء أرضية مشتركة تجمع الديانات السماوية الثلاث (المسيحية واليهودية والإسلام)، وأُطلق مسمى "بيت العائلة الإبراهيمية"، الذي جرى تشييده في جزيرة السعديات في أبوظبي، ويعتبر مجمعًا متعدد الأديان. استوحي التصميم من وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك التي جرى توقيعها من قبل البابا فرنسيس نيابة عن الكنيسة الكاثوليكية والشيخ أحمد الطيب نيابة عن الجامع الأزهر في 4 فبراير 2019 في أبو ظبي، حيث يضم المجمع مسجدًا للمسلمين تحت مسمى مسجد الإمام الطيب، وكنيسًا يهوديًا تحت مسمى كنيس موسى بن ميمون، وكنيسةً للمسيحيين تحت مسمى القديس فرنسيس.
إسلام متسامح واستقطاب للصوفية
تهدف الفكرة الرئيسة لـ "اتفاق أبراهام" إلى التأسيس لمرحلة جديدة في المنطقة تسعى إلى إدخال إسرائيل ودمجها في الواقع العربي من خلال إعادة تشكيل المفاهيم الدينية والثقافية للمجتمع العربي والإسلامي.
فلا يقتصر هذا الدمج على الجانب السياسي وحسب، بل يتعداه إلى التأثير على المنظومة الدينية والفكرية وربما تصل إلى حد الثوابت، ولأن الدين يشكل تكوينًا مهماً في المجتمعات العربية والإسلامية، فإنه لا ينفصل عن حالة التوظيف السياسي والأدلجة الفكرية بما يتلاءم مع الأجندات السياسية للدول والمنظمات السياسية في المنطقة.
ونظرًا لأن مثل هذا المشروع يحمل في طياته اتجاهًا دينيًا "متسامحًا" يتماشى مع فكرة الترويج للتصوف في "الحرب على الإرهاب"، حيث تؤكد دوائر صنع القرار الغربية أن التصوف أداة للقوة الناعمة، ويُنظر إليه كبديل معتدل وسلمي في مواجهة التيارات الإسلامية التي ساهمت في الصحوة الإسلامية ونشر الدين الصحيح. ومن أجل ذلك تم دعم إعادة نشر تراث وفكر التصوف، خاصة فكر الحلاج وابن عربي القائم على عقيدة وحدة الوجود التي تتناغم مع "الديانة الإبراهيمية"، فكل الوجود (خالق/ مخلوق) واحد = كل الأديان (يهودية/ مسيحية/ إسلام) واحد (إبراهيمية)!
يمكن القول إن هناك توظيفًا واضحًا لبعض التيارات الصوفية بمختلف اتجاهاتها لصالح مشروع الإبراهيمية( ) على اعتبار أن الخطاب الصوفي- الأشعري لا يحمل في طياته بوادر عنف ومؤشرات نحو التشدد، فهو خطاب فلسفي ناعم يمكن أن يتقاطع لتقديم مبادرات إنسانية أو خطابات إنسانية تحمل بعدا سلميًا، وهذا ما يحتويه "اتفاق أبراهام"، الذي يسعى إلى تقديم خطاب "إبراهيمي" جامع، بهدف إعادة بلورة المشهد الديني والثقافي ومعه السياسي في المنطقة.
مواقف متباينة لثلاث شخصيات صوفية بارزة
يتصدر هذا المشهدَ ثلاث شخصيات بارزة مؤثرة: شيخ الأزهر أحمد الطيب، والداعية الصوفي علي الجفري، والشيخ عبد الله بن بيه، رئيس “منتدى تعزيز السلم” في الإمارات، فهذه الشخصيات الثلاث ليست على قلب رجل واحد وإن بدت في مركب واحد، فمواقفهم متباينة بين التحفظ والقبول المشروط والدعم الفلسفي لمفهوم التقارب الإنساني.
فعلى سبيل المثال يمثل الطيب أحد المرجعيات السنية البارزة في العالم الإسلامي، وموقفه من “الإبراهيمية” واضح، حيث يؤكد أن ما يُطرح تحت مسمى “الدين الإبراهيمي” ليس سوى فكرة “غامضة” تحمل مخاطر كبيرة على العقائد، وقد تؤدي إلى إلغاء الفوارق الجوهرية بين الأديان وتحويل التعدد الديني إلى صيغة واحدة مصطنعة.
وقد أشار الطيب في أكثر من مناسبة إلى الفرق الكبير بين "احترام عقيدة الآخر" وبين "الإيمان بها أو دمجها في دين واحد"، معتبرًا أن احترام الأديان هو جزء من أخلاق الإسلام، لكنه لا يعني الذوبان العقائدي أو خلق دين جديد يجمع ما لا يمكن جمعه.
كما يرى الطيب أن فكرة توحيد الأديان تحت مسمى واحد تتجاهل اختلافات جوهرية في العقيدة والتشريع والتصور الإلهي.
أما الداعية علي الجفري، وهو أحد أبرز الشخصيات الصوفية المعاصرة، ويرتبط بمشاريع فكرية محسوبة ومدعومة من مؤسسات في الإمارات، خصوصًا "مؤسسة طابة" فلا يذهب إلى طرح "الإبراهيمية" كدين جديد، بـل "إبراهيمية روحية"، أو ما يعرف بـ "الإنسانية الدينية المشتركة"، حيث يركّز على القيم الجامعة بين الديانات الثلاث، مثل: الإيمان بالله، الأخلاق، الرحمة، كرامة الإنسان.
وبحسب ما يطرحه الجفري، فإن النبي إبراهيم عليه السلام يعد "رمزًا جامعًا" يمكن أن يشكل نقطة التقاء روحي بين أتباع الديانات التوحيدية، دون الحاجة إلى إلغاء خصوصية كل دين.
هذا الطرح أثار جدلاً كبيرًا وإشكالية لدى بعض الشخصيات الدينية، لأنه قد يُفهم على أنه تقريب عقدي مبالغ فيه، أو إعادة صياغة للهوية الدينية خارج إطارها الديني التقليدي.
إلا أن الجفري يصر على أن مشروعه لا يهدف إلى توحيد الأديان، بل هو مجرد تعزيز للتسامح ونزع فتيل الصدام الديني في عالم مضطرب.
ومن جانب آخر، يطرح عبد الله بن بيه، أحد أبرز العلماء المعاصرين المرتبطين بالمؤسسات الدينية في الإمارات، ورئيس "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" رؤية مختلفة عن أحمد الطيب، فهو لا يرفض الخطاب الإبراهيمي بشكل مباشر، بل يتبنى مقاربة تقوم على فقه السلم والتعايش، فيرى أن العالم المعاصر يحتاج إلى تجاوز الصراعات الدينية، وأن المقاصد الكبرى للشريعة الإسلامية تشمل: حفظ النفس وحفظ الدين وتحقيق السلام الاجتماعي على حد وصفه.
وعلى أثر ذلك، يرى بن بيه أن التعاون بين أتباع الديانات الإبراهيمية ضرورة حضارية لمواجهة التطرف والعنف على حد وصفه، لكن مقاربته تلك في السياق نفسه لا تعلن القبول الواضح بفكرة "الدين الموحد"، فهو يشير إلى المشتركات الإنسانية والتحالف الأخلاقي بين المؤمنين والقيم المشتركة بين الأديان، ومن هنا فموقفه يقترب بشكل كبير إلى التأطير الفكري والسياسي لتحقيق مفهوم التعايش أكثر من كونه أطروحة عقائدية.
يمكن القول إن مشروع "الديانة الإبراهيمية" كان ولا يزال واحدًا من أكثر الملفات تعقيدًا في الفكر الإسلامي الحديث، لأنه يقترب نحو العقيدة والتراث وصولاً إلى الأجندات السياسية.
خلاصة الأمر؛ يعتبر موقف شيخ الأزهر أحمد الطيب أكثر المواقف وضوحًا ورسوخًا ويعكس الاتجاه العلمي الذي يؤكد على الحدود العقائدية، كما أنه يرتبط بموقف الدولة المصرية الرافضة لمشروع "الديانة الإبراهيمية" ولذلك لم تنضم مصر لاتفاق أبراهام للآن، ويؤشر لوجود ممانعة صوفية للتماهي مع المخططات العربية تمامًا لدى بعض الصوفية على الأقل.
بخلاف علي الجفري الذي يسعى إلى تقديم قراءة صوفية تسعى إلى الجمع الروحي بين الأديان، فيما يسعى عبد الله بن بيه، إلى صياغة إطار فلسفي - فقهي - حضاري للتعايش، انسجامًا مع سياسة الإمارات المنخرطة بشدة في مشروع الإبراهيمية.
ويبقى السؤال المطروح في خضم هذه الرؤى الثلاث: هل نحن أمام إعادة تشكيل للخطاب الإسلامي تحت ضغط التحولات الاجتماعية والثقافية والأجندات السياسية، أم أننا نقف أمام مشروع حوار عالمي بين الأديان الثلاثة لكن وفقاً لرؤية مختلفة عما كان يطرح سابقا في مبادرات حوار الأديان؟



