يمثل الصراع بين علماء الكلام (الأشاعرة خاصة) والتصوف الفلسفي واحدًا من أعقد المسارات الفكرية في التراث الإسلامي، حيث تداخلت فيه القضايا الإبستمولوجية مع المحاكمات العقدية، وتلاقحت نصوص الشرع بمناهج الفلسفة. وإذا كان الجدل الكلامي قد نشأ في الأساس للدفاع عن العقيدة ضد الزنادقة والملاحدة، فإنه وجد في مدرسة "وحدة الوجود" التي يمثلها ابن عربي وابن سبعين خصمًا من نوع خاص؛ ليس لأنه يخالف الظاهر فقط، بل لأنه يؤسس لمنطق معرفي بديل يجعل "الكشف" و"الذوق" معيارًا للحقيقة، متجاوزًا بهما قواعد العقل والجدل التي أرساها المتكلمون.
وقد عبّر ابن سبعين عن هذا العداء الصريح لمنهج الأشاعرة حين قال في كتابه "بد العارف": "والأشعري كثير الكلام قليل المعاني لا يصلح أن يُنظّر لمذهبه، ولا يُلتفت إليه بوجه، إذ هو مكتسب من مذهب المخالف له على غير وجهه، فلا تعول عليه يا أخي ولا تنظر إليه إلا بالازدراء فإنه بدعة"( ).
هذا النص ليس مجرد نقد عابر، بل هو إعلان حرب معرفية، حيث يُسقط ابن سبعين قيمة علم الكلام برمته، ويجعله تابعًا مكتسبًا من الخصوم، مما دفع المتكلمين إلى الرد بحدة، ليس فقط دفاعًا عن مذهبهم، بل لحماية النص القرآني من الذوبان في تأويلات باطنية ترى في الوجود وحدة مطلقة. من هنا، ينطلق هذا المقال لرصد موقف المتكلمين الأصولي من هذه المدرسة، متتبعًا خطوط التماس العقدية، وكاشفًا عن الإجماع التاريخي الذي ساد حتى القرن التاسع الهجري قبل أن تنبثق تيارات المدافعين.
أولاً: البناء الإبستمولوجي للأشاعرة وموقفهم من مصادر المعرفة
لفهم سبب شدة وطأة الهجوم الأشعري على ابن عربي، ينبغي أولاً استحضار المنظومة المعرفية التي قام عليها علم الكلام الأشعري. فالمتكلم الأشعري يؤمن بأن العقل والنقل هما مصدرا المعرفة الدينية، لكنه يمنح العقل دورًا تمهيديًا في إثبات وجود الله وصفاته، ثم يخضعه للنقل في التفاصيل الخبرية. والأهم أن الأشاعرة أسسوا لنظرية "الكسب" التي تحفظ لله الفعل وللإنسان الاختيار، ولذلك، كان أي قول يقرّب الذات الإلهية إلى المخلوقات أو يذيبها في الوجود المادي يُعتبر نقضًا لأصول التوحيد.
في المقابل، كان الصوفية الفلسفية، وعلى رأسهم ابن عربي، يعتمدون على "الفتح الإلهي" و"المشاهدة القلبية" كمصدر أعلى من العقل، ويقررون أن المعرفة اليقينية لا تنال بالاستدلال، بل بالكشف الذي يزيل حجب الكثرة. هذا التعارض في المصدر هو الذي جعل كلا الفريقين يرى الآخر بعين الريبة؛ فالمتكلم يرى أن التصوف الفلسفي يفضي إلى تعطيل النصوص وتأويلها تأويلاً بعيدًا، بينما يرى الصوفي أن المتكلم حبيس الظاهر والحجاج العقيم.
ثانياً: الردود العقدية: من نفي الحلول والاتحاد إلى اتهام التثليث
انصب الهجوم الأشعري على ابن عربي في ثلاث قضايا جذرية:
1- مسألة الحلول والاتحاد بين الخالق والمخلوق:
كان التصوف الفلسفي يميل بطبعه إلى القول بالحلول أو الاتحاد، وإن حاول بعض أتباعه التهرب من اللفظ، كما يقول السعد التفتازاني: "ورأيت من الصوفية الوجودية من ينكره، ويقول: لا حلول ولا اتحاد، إذ ذاك يشعر بالغيرية، ونحن لا نقول بها، بل نقول: ليس في ذات الوجود غيره، وهذا العذر أشد قبحًا وبطلانًا من ذلك الجرم؛ إذ يلزم ذلك المخالطة التي لا يجترئ على القول بها عاقل، ولا مميز أدنى تمييز"( ).
يلاحظ هنا أن التفتازاني، وهو من كبار محققي الأشاعرة الماتريدية، لا يكتفي برفض القول الظاهري بالحلول، بل ينبش وراء المصطلحات ليكتشف أن نفي الحلول عندهم هو عين الحلول، لأن نفي الغيرية يعني ضمنًا امتزاج الذات الإلهية بالكون، وهذا ما يسميه "المخالطة" التي ينفر منها العقل السليم. وأما الشريف الجرجاني في "شرح المواقف"( )، فقد ذهب إلى تصنيفهم مع الفرق الضالة، إذ صنف المخالفين في باب الحلول إلى ثلاث طوائف، جاعلاً الصوفية في الطائفة الثالثة إلى جانب النصارى والنصيرية، ومبينًا أن قولهم بظهور الإله في صورة الكاملين هو عين الضلالة التي تفضي إلى إطلاق الألوهية على البشر.
وقد حاول علاء الدين البخاري كشف هذه الآلية في نقده لابن عربي، مفرقًا بين مقامات الصوفية الحقة والمتدلسين، حيث قال: "إن الملاحدة عبروا عن ضلالتهم بعبارات العارفين بالله، يتسترون بها في زندقتهم، فينبغي الحذر من ذلك، فأرادوا بالفناء نفي حقائق الأشياء، وجعلوها خيالاً وسرابًا على ما هو مذهب السوفسطائية، وبالبقاء ملاحظة الوجود المطلق، وبالوحدة المطلقة كون ما سوى الوجود من الأشياء خيالاً وسرابًا"( )، فهذا النص يكشف عن وعي كلامي أشعري بأن أخطر ما في هذه المدرسة هو توظيف مصطلحات دينية (كالفناء والبقاء) لحمل معانٍ فلسفية هدامة، مما يستوجب التفكيك والرد.
2- اتهام ابن عربي بالتثليث والكفر الصريح:
ومن المفارقات التاريخية أن المتكلمين وجدوا في نصوص ابن عربي ما يوازي عقيدة التثليث المسيحي، مما جعلهم يشنون عليه هجومًا عنيفًا يتهمونه فيه بنبذ التوحيد القرآني. وقد استشهد الشيخ محمد الغزالي المتأخر، الذي يمثل امتدادًا للنزعة الكلامية النقدية، بنص من الباب 333 من "الفتوحات المكية" حيث يقول ابن عربي: "إن الأصل الساري في بروز أعيان الممكنات هو التثليث، والأحد لا يكون عنه شيء البتة، وأول الأعداد الاثنان، ولا يكون عن الاثنين شيء أصلاً ما لم يكن ثالث يربط بعضها ببعض، فالإيجاد عن الثلاثة والثلاثة أول الأفراد".
3- نقد مبدأ "الفناء" و"الوحدة المطلقة" كمدخل لتعطيل الأحكام:
وصل نقد المتكلمين إلى تفكيك دقيق لمصطلحات التصوف الفلسفي، كما فعل علاء الدين البخاري( )، حيث فرق بين ما يسميه الصوفية بـ"الفناء" و"البقاء" وبين ما يريده به الملاحدة. فأوضح أن الصوفية الحقة تعني بالفناء "اطمحلال الكائنات في نظرهم مع وجودهم، والغيبة عن نسبة أفعالهم إليهم، كاطمحلال الكواكب مع وجودها عند ظهور نور الشمس في النهار"، بينما الوجوديون يريدون به نفي الحقائق الخارجية بالكلية، وهو مذهب السوفسطائية الذي يلغي التمييز بين الخالق والمخلوق، وبالتالي يلغي التكليف والأحكام. وهذا النقد بالغ الأهمية، لأنه يفضح أن الخلاف ليس لفظيًا، بل متعلق بـ"الوجود الذهني" مقابل "الوجود العيني"، وهو ما يشكل قاعدة الفلسفة الوجودية التي لا يمكن التوفيق بينها وبين الشريعة التي تقوم على خطاب التكليف الموجّه لأشياء قائمة خارج الذهن. وقد ختم البخاري تحليله بقوله: "فقد عرفت أن معنى الوحدة المطلقة عند العارفين بعيد عما يريد به الكفرة الوجودية من الفلاسفة، ومن تبعهم ممن يدعي الإسلام؛ ليتمكن من هدمه عند الضعفاء، ويروجون تلك السفسطة بإحالتها إلى الكشف". بهذا يضع البخاري يده على الجرح الإبستمولوجي الأكبر: وهو توظيف "الكشف" كغطاء لتمرير أفكار فلسفية لا تقبلها العقول ولا الشرائع.
ثالثاً: الإجماع التاريخي على الذم والتكفير (حتى القرن التاسع الهجري)
يكشف الرصد التاريخي أن الموقف النقدي من ابن عربي لم يكن اجتهادًا فرديًا عند بعض المتكلمين، بل كان إجماعًا شبه كامل بين أئمة الأشاعرة، واستمر هذا الإجماع بلا منازع حتى مطلع القرن التاسع الهجري. وتؤكد النقولات المتنوعة هذا التيار الجارف:
أولاً: موقف تقي الدين السبكي
وهو واحد من أئمة الأشاعرة الكبار وأصحاب المواقف الحاسمة في العقيدة، فقد كان حكمه على ابن عربي وأضرابه قاطعًا لا يحتمل التأويل، إذ قال رحمه الله: "ومن كان من هؤلاء الصوفية المتأخرين كابن عربي وغيره فهم ضُلَّال جهَّال، خارجون عن طريقة الإسلام فضلا عن العلماء"( ). بهذه العبارة الموجزة أسقط السبكي عنهم صفة "العلماء" ونفاهم عن "طريقة الإسلام"، وهو حكم صادر عن إمام مذهبي متبوع، يوضح أن الخلاف لم يعد في الفروع بل في أصل الانتماء إلى منهج الشريعة، وأن هذا الصنف من التصوف لا يمت إلى مقاصد الدين بصلة.
ثانياً: الحافظ ابن حجر العسقلاني وشيخه سراج الدين البلقيني
وهما يمثلان قمة الإجماع النقدي في طبقة المحققين المتأخرين. فابن حجر لم يكتف بموقفه الشخصي، بل أحال على شيخه الإمام سراج الدين البلقيني - وهو من كبار فقهاء الشافعية والمتكلمين - فنقل عنه بتفصيل دقيق يظهر شدة الحسم في المسألة، إذ قال ابن حجر: "وقد كنتُ سألتُ شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني عن ابن العربي، فبادر الجواب بأنه كافر، فسألته عن ابن الفارض فقال: لا أحب أن أتكلّم فيه. قلت: فما الفرق بينهما والموضعُ واحد؟ وأنشدته من التائية، فقطع عليّ بعد إنشاد عدة أبيات بقوله: هذا كفر، هذا كفر"( ).
وهذا النقل بالغ الأهمية لعدة أسباب: أولاً، يُظهر أن البلقيني لم يتردد في تكفير ابن عربي تكفيرًا صريحًا، بل بادر به دون توقف. ثانيًا، يكشف عن تشابه النزعة عند ابن الفارض، حتى كاد البلقيني أن يلحقه به، لولا تورّعه عن التصريح، وهو ما يدل على أن الإشكالية عندهم ليست خاصة بشخص ابن عربي، بل بمنهج "وحدة الوجود" برمته. وقد سجل ابن حجر هذه الواقعة في مواضع متعددة، وكان هو نفسه شديد اليقين في هذا الحكم، حتى بلغ به الأمر إلى المباهلة التي نقلها تلميذه السخاوي في "الجواهر والدرر"، حيث قال ابن حجر لأحد المدافعين عن ابن عربي: "اللهم إن كان ابن عربي على هدى فالعني بلعنتك"، وقال الخصم: "اللهم إن كان ابن عربي على ضلال فالعني بلعنتك"( )، فكانت النتيجة أن عمي المدافع ومات قبل أن تمضي سنة، مما يُظهر ثقة ابن حجر القاطعة في بطلان مذهب ابن عربي.
ثالثًا: القاضي بدر الدين بن جماعة
فقد وصف ابن جماعة كتاب "الفصوص" بأنه يحتوي على أقوال هي "لغو باطل مردود، وإحداث في الدين ما ليس منه، فحكمه: رده والإعراض عنه". بل وأكد أن قول ابن عربي في آدم بأنه "عين الله" وقوله في الوعيد بأنه منفي، كل ذلك كفر صريح باتفاق علماء التوحيد.
حيث قال: "حاشا رسول الله ﷺ، يأذن في المنام بما يخالف ويعاند الاسلام - يشير الى زعم ابن عربي أنه تلقى كتاب الفصوص من الرسول مكتوبًا -، بل ذلك من وسواس الشيطان ومحنته وتلاعبه برأيه وفتنته.. وقوله في آدم: إنه إنسان العين، تشبيه لله تعالى بخلقه، وكذلك قوله: الحق المنزه، هو الخلق المشبه إن أراد بالحق رب العالمين، فقد صرح بالتشبيه وتغالى فيه.. وأما إنكاره ما ورد في الكتاب والسنة من الوعيد: فهو كافر به عند علماء أهل التوحيد. وكذلك قوله في قوم نوح وهود: قول لغو باطل مردود وإعدام ذلك، وما شابه هذه الأبواب من نسخ هذا الكتاب، من أوضح طرق الصواب، فإنها ألفاظ مزوقة، وعبارات عن معان غير محققة، وإحداث في الدين ما ليس منه، فحكمه: رده، والإعراض عنه"( ).
رابعًا: موقف عضد الدين الإيجي والعلاء البخاري
يقول البرهان البقاعي: "وممن كفر أهل هذا المذهب شيخ مشايخنا نادرة زمانه علاء الدين محمد بن محمد البخاري الحنفي، وصنف فيهم رسالة سماها: "فاضحة الملحدين، وناصحة الموحدين" وبيّن أن وحدتهم الوحدة التي قرر أصلها بعض الفلاسفة، إلا التي يسميها أهل الله: الفناء، ونقل عن القاضي عضد الدين تكفيرهم، فإنه قال في وصفه لابن عربي: "يحكى عنه أنه كان كذابا حشاشا كأوغاد الأوباش" فقد صح عن صاحب كتاب المواقف عضد الملة والدين، أعلى الله درجته في عليين، أنه لما سئل عن كتاب الفتوحات لصاحب الفصوص حين وصل هنالك قال: "أفتطمعون من مغربي يابس المزاج بحر مكة، ويأكل الحشيش شيئا غير ذلك؟ وقد تبعه -أي ابن عربي- في ذلك ابن الفارض حيث يقول: أمرني النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بتسمية التائية: نظم السلوك! إذ لا يخفى على العاقل أن ذلك من الخيالات المتناقضة الحاصلة من الحشيش؛ إذ عندهم أن وجود الكائنات هو الله تعالى، فإذن الكل هو الله، لا غير، فلا نبي، ولا رسول، ولا مرسل إليه، ولا خفاء في امتناع النوم على الواجب، وفي امتناع افتقار الواجب إلى أن يأمره النبي بشيء في المنام، لكن لما كان لكل ساقطة لاقطة، ترى طائفة من الجهال ذلت أعناقهم لها، خاضعين أفرادا وأزواجا"( ).
خامسًا: موقف جلال الدين السيوطي
السيوطي يمثل حالة فريدة من التحول الفكري؛ إذ كان في بادئ أمره يميل إلى الدفاع عن ابن عربي، فقد كان في بدايات القرون المتأخرة التي تسامحت مع ابن عربي، لكنه بعد التدقيق والمعرفة التامة بنصوصه تراجع تراجعًا جذريًا. ففي كتابه "التحبير في علم التفسير" حكم بقوله: "ويحرم تحريمًا غليظًا أن يفسر القرآن بما لا يقتضيه جوهر اللفظ كما فعل ابن عربي المبتدع الذي ينسب إليه كتاب الفصوص الذي هو كفر كله"( ).
ولم يكتف بذلك، بل زاد في "إتمام الدراية شرح النقاية" قائلاً: "ونعتقد أن طريق أبي القاسم الجنيد سيد الصوفية علمًا وعملاً وصحبةً طريق مقوم، فإنه خال من البدع، دائر على التفويض والتسليم والتبري من النفس، بخلاف طريق جماعة من المتصوفة كابن عربي الطائي وأضرابه، فإنها زندقة منافية للكتاب والسنة"( ). هذا التفريق بين الجنيد وابن عربي دليل على أن الأشاعرة والنقاد لم يكونوا يعادون التصوف الأخلاقي الجنيدي الذي يتسق مع الكتاب والسنة، بل كانوا يعادون الفلسفة الوجودية التي ألبسها ابن عربي ثوب التصوف.
رابعاً: التحول البنيوي في القرون المتأخرة
بالعودة إلى الملاحظة التاريخية الدقيقة التي تشير إلى أن الإجماع على ذم ابن عربي ظل قائمًا حتى القرن التاسع الهجري، ثم بدأ التصوف الفلسفي ينتشر وأصوات المدافعين تظهر في أواخر الدولة العثمانية، ويمكن تحليل هذه الظاهرة كتحول بنيوي في آليات التعامل مع التراث الصوفي. وقد يكون مجد الدين الفيروزآبادي (صاحب القاموس) (ت 817ه) هو أول من وضع لبنة الدفاع، ليس بقدر ما كان متكلمًا، بل كونه لغويًا أراد أن يحسن الظن بأهل الله، فاعتبر أن كلام ابن عربي من قبيل "رموز" لا يفهمها إلا الخواص، ويُلاحظ أن جُلهم جاؤوا بعد القرن التاسع الهجري، وخالفوا أسلافهم من الأشاعرة.
ثم جاء الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى (ت 911هـ) – وإن رجع عن مدحه كما أسلفنا- ثم جاء عبد الوهاب الشعراني (ت 973ه) ليكمل المسيرة، ففي "اليواقيت والجواهر" حاول التوفيق بين أقوال ابن عربي والشريعة، جاعلاً من ابن عربي وليًا محققًا، وأرجع عباراته الشاذة إلى ما يسمى "سكرات الغيب" التي يعذر فيها أهل الكشف.
ثم تتابع المدافعون عنه مثل الشيخ محمد عبد الرؤوف المناوي (ت 1031هـ)، وابن العماد الحنبلي (ت 1089هـ)، ومع استفحال الأمر في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، وتحت ضغط التنظيمات الصوفية والتوجهات الروحية للدولة العثمانية، أصبح ابن عربي قطبًا من أقطاب الأولياء، وصارت "الفتوحات المكية" مرجعًا مقدسًا عند الكثيرين، وقلّ صوت المنكرين، إلا ما كان من الملا علي القاري الحنفي في رده على أهل وحدة الوجود، لكن التيار كان جارفًا عليه، فكان يواجه التيار وحده، ونال سبًا وقذفًا شديدًا بسبب ذلك. ولكن بعد الدعوات الإصلاحية وانتشار العلم والمعرفة، عاد الأمر إلى نصابه، وانتشر الفهم الصحيح حتى داخل أروقة الأزهر الشريف.
ومن ذلك ما يقوله الشيخ محمد الغزالي: "إنني ألفت النظر إلى أن المواريث الشائعة بيننا تتضمن أمورًا هي الكفر بعينه، لقد اطلعت على مقتطفات من (الفتوحات المكية) لابن عربي فقلت: كان ينبغي أن تسمى الفتوحات الرومية، فإن الفاتيكان لا يطمع أن يدس بيننا أكثر من هذا اللغو.. لم أقرأ في حياتي أقبح من هذا السخف، ولا ريب أن الكلام تسويغ ممجوج لفكرة الثالوث المسيحي... ويبلغ ابن عربي قمة التغفيل عندما يقول: إن الله سمى القائل بالتثليث كافرًا، أي ساتر بيان حقيقة الأمر، فقال: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة)، فالقائل بالتثليث ستر ما ينبغي أن يكشف صورته، ولو بين لقال هذا الذي قلناه! واكتفى الأحمق بذكر الجملة الأولى من الآية، ولم يردفها بالجملة الثانية: (وما من إله إلا إله واحد)"( ).
هذا التحول لم يكن نتيجة اكتشاف نصوص جديدة، بل نتيجة تغير في آليات القراءة؛ فبدلاً من قراءة نصوص ابن عربي في سياقها الفلسفي المحض، صار التركيز على "الذوق الروحي" المجرد، وتناسي الكثير من المدافعين النصوص الصريحة التي نقلها الأئمة كالسيوطي وابن حجر والسبكي والتي تشير إلى أنه يصرح بالتثليث وإنكار الوعيد. ولهذا يظل التحول التاريخي مثيرًا للجدل، إذ يطرح سؤالاً حريًا بالإجابة: هل يمكن لرجل أن يكون كافراً في القرنين السابع والثامن، ثم يصبح وليًا في القرن الثاني عشر، دون أن تتغير نصوصه؟
خامساً: تحليل منزع الخلاف
إذا استقرأنا مجمل الردود الكلامية التي رصدناها - من تكفير البلقيني المباشر، إلى تجريح السبكي، إلى تفنيد التفتازاني والجرجاني - نجد أن منزع الخلاف بين المتكلمين وابن عربي لا ينحصر في مسألة عقدية فرعية، بل يمتد ليصبح صراعًا على تحديد المرجعية العليا في الدين. فالمتكلمون، كما بيّن التفتازاني والجرجاني والبخاري، يرون أن الشريعة محكمة بنصوصها الظاهرة التي لا يُقبل تأويلها إلا بدليل عقلي قطعي، وأن الكشف الذوقي أمر شخصي لا يصلح أن يكون أساسًا لعقيدة عامة، فضلاً عن أن يكون مؤولاً للنصوص بما يتعارض مع التنزيه الإلهي. وفي المقابل، يرى ابن عربي وأتباعه أن الظاهر حجاب، وأن الحقيقة لا تنكشف إلا لمن تجاوز حجاب العقل إلى عالم الروح.
وهذه الأزمة المعرفية تجلت بوضوح في اتهام كل فريق للآخر بالتشبيه؛ فالمتكلم اتهم الصوفي بالتشبيه الحلولي الذي يسوي بين الخالق والمخلوق، بينما اتهم الصوفي المتكلم بالتشبيه اللفظي، مع أن المتكلم يصرح بالتنزيه. غير أن الإنصاف التاريخي يبيّن أن المتكلمين كانوا أكثر حرصًا على ضبط المصطلحات، بدليل أنهم فرقوا بين الجنيد وابن عربي، واعترفوا بشرعية المقام الصوفي في إطاره الأخلاقي، بينما رفضوا الفلسفة الوجودية التي تلتهم الذات الإلهية في ثنايا الكون. وقد أشار علاء البخاري إلى أن أدعياء التصوف استعاروا مصطلحات العارفين الصادقين للتلبيس، وهذا يؤكد أن المتكلمين لم يكونوا يهاجمون "التصوف" كظاهرة روحية، بل كانوا يهاجمون "التصوف الفلسفي" كبديل معرفي يهدد أسس التوحيد.
في الختام: يمكن القول إن موقف المتكلمين من ابن عربي والتصوف الفلسفي كان موقفًا مبررًا في سياقه التاريخي والعلمي، لأنه قام على دفاع ثلاثي الأبعاد: الدفاع عن التنزيه الإلهي، والدفاع عن حجية النص القرآني، والدفاع عن سلطة العقل في فهم الدين. وقد تظافرت نصوص كبار الأئمة من الأشاعرة كالسبكي والبلقيني والتفتازاني، ومن الحنابلة كابن تيمية، ومن الصوفية المعتدلة كالجنيد، على تكفير ما وصل إليه ابن عربي من قول بوحدة الوجود، أو على الأقل تبديعه وتضليله. واستمر هذا الإجماع بلا منازع فاعل حتى مطلع القرن التاسع الهجري، حين بدأت بوادر "التسامح التأويلي" مع الفيروزآبادي، ثم أخذت في التوسع مع الشعراني حتى استفحل القبول به في العصور المتأخرة تحت ضغط النزعات الصوفية الجماهيرية.
لكن الحقيقة العلمية، التي تؤكدها النقولات التي حشدناها، تظل صامدة: إن الخلاف بين المتكلمين وهذه المدرسة لم يكن خلافًا لفظيًا عارضًا، بل هو تعارض جوهري في سلطة النص مقابل سلطة الذوق، وفي العقل الجدلي مقابل الكشف الباطني. وهذا التعارض لا يمكن حله بالإنصاف الظاهراتي، بل يتطلب وعيًا تاريخيًا راسخًا بأن قراءة نصوص ابن عربي يجب أن تتم بمناهج نقدية، وألا يُخلط بين مرتبة "الإحسان" التي دعا إليها النبي ﷺ في عبادة الله كأنك تراه، وبين فلسفة "وحدة الوجود" التي هي في حقيقتها مبحث فلسفي دخيل على روح الشريعة السمحة. وإن كانت الأمة اليوم في مقام يحتاج إلى جمع الكلمة، فإن ذلك لا يكون بتغليب طرف على آخر، بل بتجريد المعارك من شوائب التعصب، والاعتراف بأن لكل علم منهجه، وأن سلامة العقيدة تبقى هي الضمانة الأولى لبقاء الدين على منهج الوسطية والاعتدال، والله الهادي إلى سواء الصراط.



