"ربما خلوتُ بنفسي، وخلعتُ بدني جانبًا وصرتُ كأنِّي جوهر فرد بلا بدن، فأكون داخلًا في ذاتي راجعًا إليها، خارجًا من سائر الأشياء، فأكون العِلمَ، والعالِمَ، والمعلومَ جميعًا، فأرى في ذاتي من الحسن والبهاء والضِّياء ما أبقى له متعجِّبًا بهِتًا، فأعلم أنِّي جزء من أجزاء العالَم الشَّريف الفاضل الإلهي"
ليس هذا النَّص لمتصوِّف نشأ في تاريخ الإسلام، بل هو من تراثٍ ترجم باكرًا إلى الثَّقافة العربية على أنَّه نصٌّ لأرسطو، وهو كتاب (أثولوجيا) أو: (القول في الرُّبوبية)، ترجمه عبد المسيح بن ناعمة الحمصي( )، وأخطأ في نسبته إلى أرسطو، فهو منتزع من كتاب (تاسوعات) أفلوطين (ت 270م)( )، وبهذا وأمثاله نسبت أفكار لأفلوطين ومدرسته المسمَّاة بالأفلاطونية المحدثة إلى أرسطو، ونالت عناية كبيرة تبعًا لشهرة أرسطو( )، رغم أنَّ أفلوطين "لم يعرفه العرب بالاسم الصَّريح"( )، إلا أنَّ "أثره في الفكر الإسلامي عامَّة لا يقلُّ أبدًا عن أثر أرسطو، بل يزيد عليه في تشعُّبه"( )، سيِّما في الشِّق التَّصوُّفي والغنوصي.
فقد كان تأثير أفلوطين كبيرًا عند مختلف من اشتغلوا بالكلام والفلسفة والتَّصوُّف، ويمكن تتبع آثاره في (رسائل إخوان الصَّفا)، وكتب الإسماعيلية، والفارابي (ت 339هـ) مثل كتاب (الجمع بين رأي الحكيمين)( )، وابن سينا (ت 428هـ) الذي له شرح على كتاب (أثولوجيا)( )، وأبي حامد الغزالي (ت 505هـ)، الذي اعتمد على كتب ابن سينا في معرفته بالفلسفة( )، وابن رشد الحفيد (ت 595هـ) وغيرهم، وكان هؤلاء يعتمد بعضُهم على نقل بعض، وسعى كثيرٌ منهم إلى تكييف مقالات أفلوطين لمقالات فرقته ودمجها في صرحه الفلسفي أو الكلامي أو التَّصوُّفي، مع إلباسها كساءً من الألفاظ الدِّينية الإسلامية، وإن كانت تحوم حول ما عُرف بوحدة الوجود، في درجات مختلفة تبعًا لمن استقبلها ووظَّفها في سياقه الدَّاخلي.
وما إن نشر ابن عربي( ) (ت 638هـ) أفكاره حتى أثار جدلًا واسعًا بين علماء المسلمين، وقد كان انتسب إلى التصوُّف وسمَّاه كثير منهم بالشّيخ الأكبر، والكبريت الأحمر، وكانت المقالات الصُّوفية المعظِّمة لمن تعتقد فيهم الولاية والصَّلاح تحدُّ من الحسِّ النَّقدي عند من تأثر بها( )، ويظهر هذا في قول جلال الدِّين الدَّواني (ت 908هـ) وهو يتحدَّث عن كلام ابن العربي الحاتمي: "لا يصل إلى كُنه كلامه أساطين العلماء، ونحارير الفضلاء وعجزت أفكارهم عن فهم أسراره قُدِّس سرَّه"( )، فكلَّما افترضوا أنَّ سطوره أسرار عظيمة المقدار، كان حسُّهم النَّقدي يتقلَّص لصالح تأويل كلامه والتماس المخارج له مع كمال منزلته عندهم، إلا أنَّ عددًا من علماء المسلمين أعملوا حسَّهم النَّقدي في نصوصه ومنهم أحمد بن تيمية (ت 728هـ)، فقال عن نفسه: "كنت قديمًا ممن يحسن الظن بابن عربي ويعظِّمه، لِما رأيت في كتبه من الفوائد مثل كلامه في كثير من (الفتوحات)،
و(الكنه)، و(المحكم المربوط)، و(الدُّرة الفاخرة)، و(مطالع النُّجوم) ونحو ذلك، ولم نكن بعدُ اطَّلعنا على حقيقة مقصوده ولم نطالع (الفصوص)( ) ونحوه، وكنَّا نجتمع مع إخواننا في الله نطلب الحقَّ ونتبعه ونكشف حقيقة الطريق فلما تبين الأمر عرفنا نحن ما يجب علينا"( ).
لقد اعتمد ابن عربي على تقسيم المعرفة تبعًا لطبقات، مما صعَّب على القارئين له معرفة حقيقة كلامه وفهم مقصده، وهذا التَّقسيم إلى مراتب ما بين عامَّة وخاصَّة، على اعتبار أنَّ في الدِّين أسرارًا وأنها لا تُكشف لغير الخواص، وكلٌّ منهم يخاطب بلسان يناسب حاله ومستواه من المعرفة المدَّعاة، هو ما نصَّ عليه أفلوطين نفسه في كتابه (التَّاسوعات)( )، وفي شقِّ الخاصَّة كان ابن عربي يتحدَّث بلسان وحدة الوجود، حتى لا يعود للتَّفريق بين الله والمخلوقات من معنى أو أثر، وفي ذلك يقول:
ألا كلُّ قولٍ في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه
وهكذا يضحي كلُّ الكلام لخلقه كلامَه هو، دون تفريق بين فعل الله ومفعوله، ما بين صفة الله، وبين المخلوقات البائنة عنه، وينقضُّ ابن تيمية على هذا الموضع فيقول: "يقتضي أن يكون كلُّ كلام خلقه الله كلامه، فيكون إنطاقه لما أنطقه من المخلوقات كلامًا له، ومن عرف أنَّ الله خالق كلُّ شيء لزمه أن يجعل كلَّ كلام في الوجود كلامه، كما فعل ذلك حلولية الجهمية كابن عربي وغيره"( )، وذلك تبعًا لعدم التَّفريق بين فعل الله ومفعوله، ويكرِّر ابن العربي الحاتمي كلامه في عدَّة مواضع، فيقول:
"فسبحانَ من أظهر الأشياء وهو عينها:
فما نظرت عيني إلى غير وجهه وما سمعت أذني خلافَ كلامِه"( )
دار ابن عربي حول وحدة الوجود كخلاصة مركَّزة لمذهبه، فقد "كانت القضية الكبرى التي تعبِّر عن مذهبه، وحولها تدور كلها فلسفته الصُّوفية هي أنَّ الحقيقة الوجودية واحدة في جوهرها وذاتها، متكثرة بصفاتها وأسمائها لا تعدد فيها إلا بالاعتبارات والنِّسب والإضافات"( )، يقول ابن عربي: "فالعليُّ لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق جميع الأمور الوجودية والنِّسب العدمية بحيث لا يمكن أن يفوته نعت منها، وسواء كانت محمودة عرفًا وعقلًا وشرعًا، أو مذمومة عرفًا وعقلًا وشرعًا"( ).
ومردُّ ذلك خلطه ما في الأذهان بما في الأعيان، فيدعي أنَّ الأمور الكُلِّيِّة وهي التي لا تكون إلا ذهنيَّة لها الحكم والأثر في المعيَّنات الخارجية، بل كلُّ وجود عيني إنما هو عنده عين الكُلِّي باطنًا، فيقول: "اعلم أنَّ الأمور الكُلِّيِّة وإن لم يكن لها وجود في عينها، فهي معقولة معلومة بلا شكَّ في الذِّهن، فهي باطنة لا تزال عن الوجود العيني، ولها الحكم والأثر في كلِّ ما له وجود عيني، بل هو عينها، لا غيرها، أعني أعيان الموجودات العينية"( )، ويقول: "الأمر الخالق المخلوق، والأمر المخلوق الخالق، كل ذلك من عين واحدة، لا! بل هو العين الواحدة، وهو العيون الكثيرة"( ).
لقد تقاطعت فلسفته مع قبول الأمر الواقع كما هو، بحلوه ومرِّه، فنشر كثيرون فلسفته اتساقًا مع الأفكار الليبرالية الغربية، في توظيفها سياسيًّا أو أنَّها تدعو للحبِّ، وما لهذا من أثر على القبول بالآخر، وهو القائل:
"لقد صار قلبي قابلًا كلَّ صورةٍ فمرعى لغزلان ودير لرهبانِ
وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراةٍ ومصحف قرآنِ"( )
فكانت فلسفته تقدِّم مادَّة يمكن استثمارها بما يحقِّق الهدف المراد لمن ينهل من معينها، وهي عابرة للمذاهب في كثير من تفاصيلها، حتى إنَّ الخميني (ت 1989م) نفسه استثمرها وتأثر بها، وكان جانب الاستثمار فيها تلك الهالة التي تعطيه مكانة كبرى بين أتباعه على أنَّه من العارفين، وتعطي قراراته شيئًا يشبه ما لكلمة الرَّب من احترام وتقدير بين المؤمنين بها، ولذا جعل الدَّعوة إلى ابن عربي دعوة إلى التَّوحيد، وعدَّه من العظماء، والعارفين، هذا وهو النَّافر عن كبار الصَّحابة كأبي بكر وعمر وعثمان، فقال الخميني:
"كتب العارفين ولا سيما محيي الدين بن عربي، فإذا أردتم الاطلاع على مباحث هذا العظيم فيمكنكم أن تختاروا عددًا من خبرائكم من الأذكياء الذين لهم باعٌ طويل في أمثال هذه المباحث وترسلوهم إلى (قُم) ليتعرفوا بالتوكل على الله، وبعد عدة سنين على العمق الحساس والدَّقيق غاية الدِّقة لمنازل المعرفة، ومحال بدون هذا السَّفر الوصول إلى هذه المعرفة "( ).
لقد كانت وما زالت أفكار ابن عربي التي تتقاطع مع أفلوطين تشكِّل تركة كبيرة تضغط على التَّصوف، فتدفعه لترديد ما كان عليه أفلوطين قبله بقرون، لكنها أضافت إليها تأويلًا واستدلالات، أو قل تحريفًا لمعاني النُّصوص الدِّينية الإسلامية المستعملة في الانتصار للنَّسق المستقلِّ عن دلالتها الأصلية، ولم يسلِّم كثيرٌ من الصُّوفية ولا الأشعرية بما كان عليه ابن عربي، فتعددت الانتقادات عليه من مختلف المدارس، فلم يكن نقد مقالاته حكرًا على ابن تيمية ومدرسته كما حاول بعض أنصاره تصوير ذلك، وإن كانت العديدُ من أفكار ابن عربي قد كشفت اللوازم الباطلة التي قد تصل إليها بعض الإطلاقات الصُّوفية حيث انساق معها، وسعى إلى إقامة صرح متسق مغلَّف بنسق ديني تأويلي لتسويغها.



