محور الخلاف بين الإسلام والفكر الصوفي: منزلة الإنسان!
فلكل منهما نظرة خاصة إليه، وتطبيق يتبع النظرة، يختلفان جذريا وكليا، ولو أن الصوفية عرضوا فكرتهم عن الإنسان مجردة من النصوص الشرعية -وهو ما يجب؛ لما بين الشريعة والتصوف من تضاد حقيقي- لظهر الفارق بين النظرتين، لأولئك الذين لا يملكون من العلم حظًا، لكن الوهم أتى من قبل التلبيس والتدليس؛ باعتماد النص أداة للترويج، حماية من سطوة الحق وسلطان الشريعة؛ إذ كانت الفكرة ظاهرة المنابذة والمناقضة للإسلام جملة وتفصيلا.
إن للصوفية خطين يسيرون عليهما، فالأول يتخذ الشريعة حجابا، والثاني يتخذ الحقيقة شعارا، وهم يظهرون للعوام بالأول، ويعلنون عن الثاني تلميحا، ويتخذون من الإبهام والرمزية طريقا للتعبير على الإمكان، وقد يبدو شيء منه في فلتات اللسان، فإذا تملكهم سلطان الجذب شطحوا به، والحقيقة عندهم هي: أن الإنسان هو الله تعالى بأسمائه وصفاته، وله القيومية والتصريف والتدبير للكون؛ بمعنى: حلوله مرتبة الربوبية، وهي عندهم ممكنة، وفي قدرة الصوفي بلوغها، فإذا وصلها وحلّ واتحد بالمعدن الأول، وعاد كما لمن يكن، وبقي من لم يزل، صارت له خصائص تلك المرتبة، ومن هنا كان كلامهم عن (الإنسان الكامل)، الذي يمثل هذه المرتبة، وهو أكمل مظهر لتجلي الذات الإلهية حسب الفكر الصوفي الهنودكي المجوسي الصيني القديم، الذي اعتنقه صوفية المسلمين.
وتوضيح المسألة كما يلي:
يتصور الصوفية الوجود مؤلفا من ثلاثة أجزاء:
الأول: الله تعالى.
الثاني: الكون والعالم.
الثالث: الإنسان الجامع للحقائق الإلهية والكونية.
وعندهم أن الذات الإلهية منـزهة عن الاتصال؛ لعدم المناسبة بينها وبين المخلوقات، فلا بد من وساطة، وظيفتها إيصال ما عند الحق إلى الخلق، والوصول بالإنسان إلى الحق، وبدون هذه الوساطة يتعذر القيام بحفظ العالم وبقائه، وخلاص الإنسان ونجاته، ولامتناع الاتصال اخترعوا عنصرا يقوم بتلك المهام هو الإنسان الصوفي، حيث كرمه الله تعالى، فخلقه على صورته، وفضّله، واستخلفه، وسخّر له ما في الأرض، وهي أمور ورد النص بها، فقد استثمرها الصوفية لتكون نواة ينطلقون منها، كعادتهم في الاعتماد على النصوص الصحيحة، وتوسيع دلالتها بغير دليل، فأعطوا الإنسان خصائص إلهية وكونية.
فاستخلاف الإنسان وتسخير الأرض له، إنما كان لأجل عمارة الأرض والقيام بالشريعة، ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾ [ص: 26].
لكن الصوفية جعلوا للخلافة معنى زائدا، هو ممارسة القيومية الكونية!
ومما ورد في الحديث القدسي: أن الله يقول عن وليّه: "فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها" رواه البخاري، والمعنى حفظ الله تعالى له في جوارحه، لكن الصوفية جعلوا هذا المعنى دالا على إلهية الإنسان، وانطباق أوصاف الإلهية عليه.
واتخذوا من فضيلة النبي ﷺ طريقا لتعظيم من أسموهم أولياء، فاحتجوا بما له من فضل لينسبوا الأولياء إليه، وجعلوا من: التوسل به ﷺ، والاحتفال بمولده، وشد الرحال إلى قبره -على ما فيها من مخالفة للسنة- سلّما إلى التوسل بكل من يقولون عنه إنه ولي، وتوسلوا بالتوسل إلى الاستغاثة بالنبي والولي، فنسبوا للنبي ﷺ علم الغيب، وكشف الكرب، وغيث المضطرين، ثم جعلوها للأولياء سواء بسواء، بل أقاموا الولي في مرتبة فوق النبي، كما في قول ابن عربي!
بمثل هذه الطرق أوّلت النصوص، وحرفت معانيها، فرفع الولي والنبي إلى مقام الربوبية، واتخذ التأويل ذريعة، ومن هنا بدأت وظيفة الإنسان، فلا فيض إلهيًا إلا من خلال هذه الوساطة، ولا وصول ولا خلاص إلا بها، فنادى الصوفية بتعظيم الإنسان الصوفي، وأسموه: كاملا، ووليا، وقطبا، وغوثا، وعارفا.
وقد استبد الاعتقاد بوساطة الإنسان الولي بعقول الصوفية، حتى أيقنوا ألا طريق إلى الله إلا من خلاله، وأن من لم يسلك طريقهم فمحجوب ومطرود، وأقوالهم في منزلة الشيخ شاهدة، فتعظيمه بلغ مرتبة هي مردودة في الشريعة، فكل من أراد توبة، أو طلب حظا، أو رغب في خير، أو دفع شر، فلا بد له من الشيخ، فإن كان حيا أتاه وتوسل إليه، وإلا فيدعوه دعاء الغائب، ثم يأتي قبره، فيطوف به، ويدعوه، وينذر له ويذبح، بناء على أن الطريق إلى الله لا يكون إلا من خلال الولي.
ومن اعتقاد الصوفية أن الحقيقة المحمدية هي أول موجود في العالم، وفيها تمثلت الصفات الإلهية كاملة، وهي تتمثل في الأولياء، فتكون لهم الخصائص نفسها، لكن بدرجة دون الإنسان الكامل القطب الأكبر، الذي قد يكون نبيًّا أو وليًّا.
وليس كل الصوفية يدركون هذا الاعتقاد، ولا حقيقة التصوف كما هو، بل غاية اعتقادهم أن الأولياء لهم جاه ينفعهم عند الله تعالى، ويستدلون بحديث الأعمى في توسله بالنبي ﷺ أن يرد بصره، وطلب الناس الشفاعة منه ﷺ يوم القيامة: على التبرك بالأولياء والتوسل بهم؛ دعاء واستغاثة، وتعبدا ونذرا. مع أن تلك النصوص ليست سندا، فلا تفيد سوى جواز طلب الدعاء من الحي الحاضر.
ولكي يكون الصوفي المريد على بينة من هذه القضية، فعليه أن ينظر في تعظيم المشايخ، ويقارنه بمنزلة الإنسان في الإسلام، سواء كان نبيًّا أو وليًّا، مع الحرص على ألا ينساق وراء تأويلات الصوفية لمعاني النصوص في الولاية والتبرك، فلو فعل فلن يجد للنبي ﷺ في الإسلام عُشر ما للولي من منـزلة عند الصوفية، بل سيجد التوجيه بعدم المبالغة في مدحه، وأن لا تنسب إليه المشيئة، وسيجد أنه ﷺ يمنع من أن يسجد له أحد، وأن يعتاد زيارة قبره، ولن يجد حثًّا على التوسل به، أو الاحتفال بمولده، أو شد الرحال إلى قبره، فضلا عن الاستغاثة به في الحوائج.
فالإسلام -بأحكامه وقواعده وأصوله- يرسخ عبودية الإنسان وبشريته، وضعفه، وحاجته إلى الرب سبحانه، وأنه لا يملك من أمره شيئا، وأخبر عن النبي ﷺ: أنه لا يعلم الغيب، وأنه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، وخوفه من تقلب القلوب، فإن أشرك فلن ينفعه قربه واصطفاؤه، ولو ركن إلى الباطل لضوعف عليه بالعذاب.
أما الفكر الصوفي فإنه يرسخ ألوهية الإنسان، بغطاء التبرك والتوسل، وهذه موجهة إلى العوام، أما الخواص فإنهم يخاطبون كفاحا بحقيقة الأمر دون غطاء: أن الإنسان إلهي المعدن والجرثومة، وهو جامع لكل الحقائق الإلهية والكونية.
والنتيجة: أنك تجد الصوفي دائم التعلق بالمخلوق، في شخص (الإنسان الكامل) أو الولي، يلجأ إليه في كل شئونه، حيا أو ميتا، ضارعا متضرعا خاشعا، مع نهي الإسلام عن ذلك، وبيانه وتوضيحه الفرق بين الخالق والمخلوق، والأمر بإنزال الإنسان مرتبته دون غلو، وأمره بالتوجه إلى الله تعالى وحده في كل الشئون.
فمن قارن سيدرك حتما بُعد ما بين الإسلام والتصوف، وأنهما لا يلتقيان في شيء من الأصول، فإذا اختلفا في الأصل الكبير، وهو التوحيد، فلا جدوى بعد ذلك في اتفاقهما في شيء من الفروع، فالتوافق في نوع من الزهد والذكر والتهذيب والتزكية، لا يقارن بالاختلاف في أصل التوحيد، فالإسلام ينسب التصريف والتدبير وعلم الغيب إلى الله تعالى، ويدعو إلى عبادته وحده لا شريك له، والتصوف ينسب كل ذلك إلى الأولياء ويدعو إلى عبادتهم!!
إن هذا الفرق الجوهري يطلع الباحث على حقيقة التصوف، والفرق بينه وبين الإسلام، وأن كل ادعاء بسلامة التصوف بعد ذلك قلب للحقيقة وتلبيس.
ومما يعجب له المرء أن المتصوفة يقولون: إن من غايات التصوف التعلق بالله تعلقا تاما، حتى لا يكون فيه غيره. كما قال الجنيد في تعريف المحبة: "عبد ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إليه بقلبه، أحرقت قلبه أنوار هيبته، وصفا شربه من كأس ودّه، وانكشف له الجبار عن أستار غيبه، فإن تكلم فبالله، وإن نطق فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فمع الله، فهو بالله، ولله، ومع الله" (الرسالة القشيرية 2/623).
ثم إنهم يدعون إلى تعظيم الأولياء: تبركا، وتوسلا، ودعاء. بما لا يصح أن يكون إلا لله تعالى، وذلك يبطل أن تكون غاية التصوف التعلق بالله تعالى وحده!!
إن الصوفية روجوا لفكرهم فاتخذوا لذلك طرقا عدة، منها:
أولا: التفسير الإشاري، الذي يفتقد الأصل العلمي من لغة أو سند، ففسروا النصوص بالطريقة الصوفية، المخوِّلة ابتداع المعاني، اعتمادا على: المنام، والمكاشفة، والإلهام، والذوق. وبنوه على: أن علومهم أشرف وأوثق من العلوم المحصَّلة بالإسناد، فهذا علم الورق، وذاك علم الخرق، والفضل للخرق، واستدلوا بالنصوص لكن توسعوا في دلالتها، فخرجوا بها إلى ما لا تدل عليها، فدعوتهم ظاهرها الاعتماد على النص، وفي هذا إغراء للمحبين للشريعة أن يتبعوا سبيلهم، لكن باطنها رفض العمل بما يقرره النص شرعا، واستبداله بمعنى صوفي.
ثانيا: آثار موضوعة لا أصل لها، ما هي إلا إحياء لمذهب الفلاسفة، تدور حول الإنسان ودوره في الحياة، زعموا أنها من الوحي، كي تلقى قبولا، كقولهم: (من عرف نفسه عرف ربه)، (كنت كنزا خفيا، فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق).
ثالثا: انتسابهم إلى الزهد، والذكر، وأعمال القلوب، وتهذيب الأخلاق، وكلها أمور يحن قلب المسلم إليها، وهم يستدلون لها بالتأويل الباطني للنصوص.
كل هذه العوامل وغيرها، مع جهل كثير من المنتسبين بحقيقتها، وجهلهم بحقيقة منزلة الإنسان في الإسلام، أورثت انسياق فئام إلى التصوف وإيمانهم به، وغفلتهم عن المخالفة الكبرى التي وقع فيها الفكر الصوفي حول الإنسان.
وإذا كانت تلك فعلت فعلها، إلا أن الأمة أدركت حقيقة الأمر، فلم تخدع بالتأويلات الفاسدة، والآثار الموضوعة، وغطاء الزهد والتصفية والتهذيب، فوقفت بالمرصاد، وأعلنت زندقة من جعل الإنسان ربا وإلها، وهذا يفسر لنا ما تعرض له طائفة من أئمة التصوف، في كل ناحية: في فارس والعراق والشام ومصر والمغرب، إلى غير ذلك، فمنهم من قُتل حدّا كالحلاج، ومنهم من نبذ وطرد كالحكيم الترمذي، ومنهم من هرب واختفى كالقشيري، ومنهم من أظهر التراجع كالشبلي والجريري، ومنهم من آوى إلى ركن ذي جاه وسلطان فحماه ومنع منه كابن عربي، وهكذا لا تقرأ ترجمة لأحد من هؤلاء إلا وفيها ما فيها، مما تولد عن غرابة وشناعة أتوا بها، وظهور مناقضتها للإسلام، مهما ركبوا أنواع التأويلات.
إن مجرد عرض حقيقة الفكر الصوفي كافٍ في الحكم بمعارضته للإسلام، حيث إنه يقوم على تأليه الإنسان، والإسلام إنما جاء بتعبيده لا تأليهه.



