مدارك — الصفحة الرئيسيةمجلة شهرية علمية
في بيان حقيقة الصوفية
عصارة الكتب

عصارة الكتب

فاطمة عبد الرؤوف 9 دقائق قراءةربيع أول 1448 هـاغسطس 2026 م 11
عصارة الكتب

القارئ لكتاب "هكذا تكلم ابن عربي" للدكتور نصر حامد أبو زيد لا بد أن تصيبه الدهشة من أسلوب التعظيم المبالغ فيه تجاه ابن عربي، فهو لا يكاد يأتي باسمه مجردا دون أن يسبقه بالشيخ الأكبر، ورغم أن صفحاته تجاوزت 250 صفحة( ) فلن تجد كلمة نقدية في حق هذا الشيخ الأكبر!

لم يستخدم أبو زيد المنهج النقدي مطلقا مع ابن عربي، واقتصر عمله على شرح أفكاره بأسلوب فيه مقدار من التيسير النسبي للقارئ العربي! مع تنظيم لأفكاره المتناثرة في مجموع كتبه! وإن كان كتابه "الفتوحات المكية" هو الأكثر حضورًا، والذي هو عبارة عن مجموعة من الأحلام التي اعتبرها ابن عربي وحيا وإلهاما مباشرا من الله أو كما يقول أبو زيد: "إن ابن عربي ينظر إلى كتبه بوصفها تنزيلا إلهيا لا يخضع ترتيبها لعقل الكاتب ولا لنظر المؤلف، بل يتبع ترتيبها نسق الكلام الإلهي المنزل".

يتماهى أبو زيد الحداثي مدعي الموضوعية والأكاديمية مع خيالات ابن عربي التي بثها في كتبه دون أي دليل فيقول: "الأمر نفسه ينطبق على كتابه (فصوص الحكم)، فالكتاب ليس من تأليفه بل تلقاه من يدي النبي محمد ﷺ في رؤيا"، وقال أيضًا: "وهنا نلمس أول ملمح من ملاح مؤلفات الشيخ، إنها ليست كتبا من تأليفه، بل هي رسائل طُلب منه أن يبلغها للناس. هكذا ليس كتاب "مواقع النجوم" إلا ثمرة من ثمار اللقاء مع "الحق" سبحانه في رؤيا تسلم فيها الكتاب ليبلغه للناس ناصحا. أهمية هذا الكتاب تكمن هنا في مصدر إلهامه، من هنا علو قدر ما يتضمنه من نصائح وإرشادات فوق رأي أستاذ أو معلم"، العجيب أن أبو زيد كان ينادي بأنسنة القرآن الكريم، لكنه مع دعاوى ابن عربي الكاذبة بأن ما كتبه وحي إلهي لم يخضعها للأنسنة!؟

الشعور الذي انتابني وأنا أقرأ نصوص ابن عربي وطريقته التي تكلم بها -وأوضحها نصر أبو زيد- أنني أمام شخص يعاني من تضخم الذات أو ربما مصاب بجنون العظمة، ففي لقائه الأول بابن رشد ولم يكن بعد قد وصل لمرحلة البلوغ (لم يذكر ابن رشد مطلقا أنه التقى ابن عربي) صوّر ابن رشد منبهرا به متأثرا بكلامه وأحكامه وتجاربه وإلهاماته!

وكان يحب تقدير نفسه وأن يعرِف أصدقاؤه بالدرجة التي وصل إليها من الإلهام والفتح حتى قال:

أنا القرآن والسبع المثاني وروح الروح لا روح المعاني

حتى يلفت انتباههم إليه، وهو ما يشرحه أبو زيد مع محاولة تبريرية للمبالغة الشديدة في تقدير الذات "لقد عجز الولي عن الالتفات إلى ما حاول الشيخ لفته إليه من مكانته التي بلغت أن يكون هو نفسه "القرآن والسبع المثاني" وهي مكانة توازي مكانة النبي عليه السلام الذي قالت عنه زوجته السيدة عائشة "كان خلقه القرآن".

رؤى ابن عربي هي الأخرى دليل آخر على تضخم الذات، يكفي هنا الإشارة إلى الرؤيا التي زعم فيها أنه كان بصحبة النبي والخلفاء الأربعة وعيسى عليه السلام الذي أطلق عليه الختم، وفيها أمر النبي الختم أن يبني لابن عربي منبرا، وقام ابن عربي بتأويل الرؤيا بأنه خاتم الولاية المحمدية كما أن عيسى خاتم الولاية العامة.

استدعاء ابن عربي لماذا؟

يكشف لنا أبو زيد عن السبب فيقول: "لكن استحضار ابن عربي في السياق الإسلامي - واستعادته من أفق التهميش إلى فضاء المتن مرة أخرى- لا يقل أهمية، وذلك بسبب سيطرة بعض الاتجاهات والأفكار والرؤى السلفية على مجمل الخطاب الإسلامي في السنوات الثلاثين الأخيرة من القرن العشرين".

جاء الفصل الأول تحت عنوان من الجاهلية إلى ختم الولاية:

تناول هذا الفصل كيف انتقل ابن عربي من حال الإيمان المبني على التقليد إلى حال المعاينة والكشف، وكيف بدأت تجربته برؤيا ثم حبب إليه تلاوة القرآن في الأماكن الخالية، خاصة المقابر، ويتحدث هذا الفصل عن شيوخ ابن عربي الذي كانت علاقته بهم تتسم بالندية وإن كان قد بدأ الطريق دون شيخ.

الفصل مليء بما يقال عنه كرامات ويتحدث عن رجال الغيب الذين كانوا ينشرون أخبار خلواتهم وأحاديثهم حتى أحاديث النفس، ويتحدث في هذا الفصل عن الأقطاب وعن لقائه بالخضر ورؤيته له واقفا على البحر وما ابتلت قدماه وانتهى بحديث ابن عربي عن ختم الولاية به.

تعليقات الدكتور نصر أبو زيد كلها لم تشكك في أي من التفاصيل الغريبة التي ينقلها، بل كان يتحدث عن التجربة باحترام عميق وكأنه أحد مريدي ابن عربي!!

الفصل الثاني جاء بعنوان قيود المكان وضغط الزمان:

حيث يتفق أبو زيد مع هنري كوربان على أن الوسيلة الوحيدة لفهم ابن عربي هي أن يصبح الباحث واحدًا من مريديه ولو لفترة، وهو الشعور الذي يسيطر على قارئ الكتاب، وبما أن الدكتور لم يكن متصوفا فهذا يطرح سؤالا حقيقيا عن الهدف من تقديم الرؤية الصوفية أو العرفانية متمثلة في رؤية ابن عربي للقارئ العربي بكل هذه الحرارة؟

على أي حال يتناول الفصل الواقع التاريخي لبلاد المغرب والأندلس وعلاقته بحكام عصره، ربما النقد الوحيد الذي وجهه أبو زيد لابن عربي هو فتواه بعدم جواز الإقامة في دار الكفر، ويفسره بضغط الواقع عليه، ولكنه سرعان ما يعود للدفاع عنه وعن نظرته للكفر، فالبشر كلهم مؤمنون بالعهد الأصلي في لحظة الذر الأولية والأزلية "منظور ابن عربي يستبعد الخطأ في الإيمان مهما حدث في الفكر أو المعرفة".

في هذا الفصل يقدم رؤية ابن عربي للتاريخ الإسلامي حتى يصل للمهدي المنتظر والدجال ونهاية العالم.

الفصل الرابع "اللقاء بابن رشد" خصصه للحديث عن 4 لقاءات جمعت بينهما، وآخرها كان في مراكش ورفات ابن رشد ينتقل إلى قرطبة مصحوبا بكتبه، حيث أنشد ابن عربي:

هذا الإمام وهذه أعماله يا ليت شعري هل أتت آماله؟

فما هي تلك الآمال التي حزن ابن عربي على عدم تحققها رغم اختلاف المدرستين؟ يجيب أبو زيد بقوله: "لقد تحققت آمال ابن رشد في الغرب شمال المتوسط، فهل تحققت آمال ابن عربي في شرق العالم الإسلامي".

لم يكن من الممكن الحديث عن آمال ابن عربي دون فهم التجربة الصوفية الغامضة بين الكشف والستر، وكان هذا موضوع الفصل الرابع "جدلية الوضوح والغموض":

يحتفي أبو زيد بالتجربة الصوفية لأنها "محاولة لتجاوز حدود التجربة الدينية العادية"، ويعترف ضمنا أن هناك تعارضًا بين التجربة الصوفية والتجربة الدينية العادية حسب وصفه "وقد أدى التعارض بين التجربة الصوفية والتجربة الدينية العادية إلى مآسٍ دامية تمثلت فيما حدث من صلب لـ "الحلاج" ومن قتل لـ "السهروردي".

ويهاجم أبو زيد الفقهاء بشراسة حيث يحملهم مسئولية هذه المآسي الدامية ويجعلهم سببا رئيسا في اللغة الغامضة التي يتحدث بها الصوفية "بسبب هذا التعارض في الفهم والتأويل بين التجربتين الدينيتين من جهة، وبسبب العنف المادي واللغوي الذي مارسته التجربة الدينية العادية -والفقهية بصفة خاصة- من جهة أخرى، كان على المتصوفة أن ينتجوا لغتهم الخاصة بهم، والتي يمكن أن تحميهم من بعض هذا العنف. من هنا منشأ اهتمام المتصوفة باللغة، فاستعاضوا عن اللغة العادية بلغة الرمز والإشارة، سواء في تفسيرهم للقرآن الكريم أو في تعبيراتهم عن مواجدهم وتجاربهم الصوفية ومكاشفاتهم الروحية في أحوالهم ومقاماتهم" .

ثم يستعرض أبو زيد كتب ابن عربي ودرجاتها من الغموض والوضوح، ويتحدث في هذا الفصل عن اللغة الإشارية "مأزق الصوفي أن معرفته أوسع من لغته من جهة، وأنه من جهة أخرى لا يريد أن يصطدم بالعالم، الذي ليس على استعداد بعد لفهم الحقائق التي يعرفها هو. هذا المأزق الأخير، أو شبيه به، ينسبه المتصوفة إلى النبي ﷺ وإلى الأفراد المعدودين من جيل الصحابة، الذين كتموا معارفهم عن العامة رحمة بهم".

هذا الإصرار على جعل هذه التجربة الصوفية هي المعبّرة عن الدين الحق تجعل السؤال الملح عن الهدف من وراء ذلك مشروعا.. فهل وقع على مدرسة نصر أبو زيد مسئولية إصلاح الفكر الديني وكشف حقيقته التي تجلت في المنهج العرفاني؟ هل فشل مشروع العقلانية مع المشرق العربي فكان البديل هو هذا الدين العرفاني؟

في الفصل الخامس المعنون بـ "نشأة الوجود ومراتب الموجودات": تتجلى خطورة هذا التدين الذي نادى به ابن عربي واشتغل أبو زيد على ترتيبه وتقريبه!

عرض فيه مفهوم التجلي الأسمائي عند ابن عربي: "وتلخيصه أن "الأسماء الإلهية" تمثل الوسيط العازل بين "الذات الإلهية" وبين "العالم". من خلال الأسماء تبطن "الذات" عن أن يلحقها وصف أو تتعلق بها معرفة أيا كانت سوى معرفة "وجودها"، وهذا فكر وحدة الوجود بلغة رمزية مشفرة، وهو ما يقرره أبو زيد مرة أخرى بقوله: "إن ابن عربي يجعل الوجود علاقة مشاركة بين الأسماء الإلهية والعالم"، ويدافع أبو زيد عن هذه الأفكار المرتبطة بنشأة الوجود ويرهب منتقديها عن طريقين: وصمهم بالمسارعة في التكفير، وصمهم بالقراءة الحرفية الساذجة!

والفصل الخامس الخاص بالوجود مليء بخيال خطير عن النفس الإلهية، وبرزخ البرازخ، والألوهة، والعماء، ومفهوم النكاح والتوالد، ومراتب عالم الخلق، ورمزية اللغة، وصولا لمفهوم الإنسان بوصفه "برزخا جامعا للطرفين" و"ولهذا ليس كمثل الإنسان شيء" و"لا بد أن نلاحظ هنا كيف يقيّم ابن عربي التماثل بين حقيقة الإنسان وبين الاسم (الله) من خلال الاستشهاد بعبارات قرآنية. إن الإنسان الذي ينطبق عليه الوصف "الأول والآخر والظاهر والباطن"، ينطبق عليه كذلك وصف "ليس كمثله شيء"، ويحاول أبو زيد التخفيف من وطأة هذا الكلام بأن ابن عربي "يتحدث عن تشابه أو تماثل لا عن تطابق"، "وعلى ذلك فالإنسان ليس هو الله وإن جمع في ذاته بين الصورتين الإلهية والكونية"، وهذا ليس أي إنسان بل هو الانسان العارف الذي يتجلى الله على قلبه! وينتهي هذا الفصل بتصور ابن عربي لتأويل القرآن كتمهيد للفصل الأخير.

الفصل السادس "تأويل الشريعة وجدلية الظاهر والباطن": ومن أخطر ما جاء في هذا الفصل قضية وحدة التجربة الروحية، فينقل عن ابن عربي احترامه لرهبان النصارى وأن الله يتولى تعليمهم مثلما تولى تعليم الخضر "وعلاوة على ذلك يمكن أن تقوم المجاهدات الروحية على غير شريعة منزلة، وتظل رغم ذلك مجاهدات مشروعة قادرة على إنجاز درجات من العرفان".

بعدها ينطلق للحديث عن ظاهر الشريعة وباطنها وكيف أن أهل الله يجمعون بين الظاهر والباطن، بل إن أهل الله قادرون على الوصول لأحكام الشريعة من مصدرها الأصلي مباشرة دون وسائط الرواة وعن طريق الذوق يصححون الأحاديث النبوية ويردونها أيضا! وهذا هدم للنبوة والعلم والدين.

وفي هذا الفصل أيضا يتم تأويل الفروع، خاصة العبادات، فبعد أن يناقش قضية التوحيد والأحدية ويفرق بينهما يتحدث عن الطهارة والصلاة وستر العورة ويحتفي جدا برأي ابن عربي القائل بجواز إمامة المرأة للرجال وإن كانت إمامة الرجل أفضل، في سابقة جندرية تاريخية، ثم ينتقل للزكاة والصوم والحج ويطبق عليها ثنائية الظاهر والباطن المناقضة للإسلام.

في هذا الفصل ينفي ابن عربي الكفر الاصطلاحي عن النصارى، لأن الكفر المقصود في الآية ﴿ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم ﴾ هو المعنى اللغوي، أي الستر "فوصفهم بالستر واتخذوا ناسوت عيسى مجلى"، وليس هذا فقط "فإن المشركين كذلك يتمتعون في الأفق التأويلي للشيخ بحق الانتماء للخلاص العام".

وبهذا يكون بالكفر الصراح "هكذا تحدث ابن عربي"، ويكون أبو زيد الحداثي مساهمًا في بعث الخرافة الصوفية تحت راية التنوير والحداثة.

نسخة PDF من المادة

من باب عصارة الكتب

الفساد الأخلاقي والاجتماعي وأثره في إضعاف الدول وسقوطها دولة المماليك الجراكسة أنموذجًا.. عرض وتحليل
عصارة الكتب

الفساد الأخلاقي والاجتماعي وأثره في إضعاف الدول وسقوطها دولة المماليك الجراكسة أنموذجًا.. عرض وتحليل

في كتابه "الفساد الأخلاقي والاجتماعي وأثره في إضعاف الدول وسقوطها" يستعرض د. أبو بكر جلال الدين المجذوب أحوال دولة المماليك الجراكسة، خاصة في أواخر أيامها، ويكشف كمًّا هائلاً من المفاسد الأخلاقية التي استشرت على المستوى…

فاطمة عبد الرؤوف7 دقائقالعدد 8
هل راهن الغرب على التصوف؟ قراءة في كتاب "التصوف بين التمكين والمواجهة"
عصارة الكتب

هل راهن الغرب على التصوف؟ قراءة في كتاب "التصوف بين التمكين والمواجهة"

في هذا الكتاب "التصوف بين التمكين والمواجهة" يرصد الشيخ محمد بن عبد الله المقدي واقع التوجهات الصوفية الحديثة كما هي على أرض الواقع في ضوء المستجدات العالمية التي تسارعت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي وجدت في…

فاطمة عبد الرؤوف4 دقائقالعدد 7
الزهد والتصوف في الإسلام.. قراءة في كتاب "الزهاد الأوائل"
عصارة الكتب

الزهد والتصوف في الإسلام.. قراءة في كتاب "الزهاد الأوائل"

على الرغم من أن كتاب "الزهاد الأوائل" للدكتور مصطفى حلمي أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة صدر في نهاية السبعينيات من القرن الميلادي الماضي إلا أن موضوعه وبعد أكثر من ربع قرن لم يزل يمثل…

فاطمة عبد الرؤوف6 دقائقالعدد 6

أعجبك هذا المستوى من التحرير؟

اشترك ليصلك كل عدد فور صدوره — إشعار واحد شهريًا.

قريبًا