هذه ورقة تعرض بالترتيب الزمني تطور نظرية "ختم الأولياء" التي تفضل الولي على النبي، بدءاً من الحكيم الترمذي في القرن الثالث الهجري، ثم تطورها على يد ابن عربي في القرن السابع، وصولاً إلى أتباعه من بعده. تعتمد الورقة على نصوص هؤلاء أعلام التصوف الفلسفي كما وردت في مصادرهم الأصلية.
أولاً: الترمذي... واضع اللبنة الأولى (ت 285هـ)
أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي الحكيم هو أول من ألف كتاباً خاصاً عن ختم الأولياء سماه "ختم الولاية"، وكان هذا الكتاب سبباً في نفيه من مدينته ترمذ.
أهم أقواله:
جعل لخاتم الأولياء مقاماً يشبه مقام خاتم الأنبياء: "أو ليس كائناً في آخر الزمان من له ختم الولاية؟ وهو حجة الله على جميع الأولياء يوم الموقف؟ فكما أن محمداً صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء، فأعطى ختم النبوة وهو حجة الله على جميع الأنبياء، فكذلك هذا الولي آخر الأولياء في آخر الزمان" (ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج11، ص 363).
جعل له شفاعة وسيادة على الأولياء: "هذا الولي خاتم الأولياء، ساد الأولياء كما ساد محمد صلى الله عليه وسلم الأنبياء، فينصب له مقام الشفاعة، ويثنى على الله ثناء، ويحمده بمحامد يقر الأولياء بفضله عليهم في العلم بالله... فهو في كل مكان أول الأولياء، كما كان محمد صلى الله عليه وسلم أول الأنبياء" (ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج11، ص 364).
ثانياً: ابن عربي... مؤسس الرؤية الفلسفية (ت 638هـ)
جاء محيي الدين بن عربي بعد الترمذي بثلاثة قرون، فأخذ فكرة ختم الولاية وطورها وأضاف إليها أبعاداً فلسفية، وصرح بأقوال أكثر خطورة.
1. الولي فوق النبي والرسول
يقول ابن عربي بصراحة: "الولي فوق النبي أو الرسول" (ابن عربي، الفتوحات المكية، ج2، ص 89).
ويجعل النبوة مجرد جزء من الولاية: "النبوة والرسالة هي خصوص رتبة في الولاية على بعض ما تحوي عليه الولاية من المراتب" (ابن عربي، فصوص الحكم، فصل في كلمة هودية، ص 122).
2. تقسيم النبوة إلى درجتين
يقسم ابن عربي النبوة إلى درجتين، ويجعل الولاية هي الدرجة العليا: "فالنبوة درجتان؛ إحداهما دنيا: وهي الرسالة التي تختص في العلم بالشريعة، والأخرى: هي الولاية؛ التي تفوق الأولى درجة ومكانة" (ابن عربي، فصوص الحكم، فصل في كلمة شيثية، ص 67).
ويؤكد: "للنبوة درجتين، إحداهما دنيا، وهي الرسالة التي تختص في العلم بالشريعة. والأخرى هي الولاية التي تفوق الأولى منزلة ومكانة" (ابن عربي، الفتوحات المكية، ج3، ص 215).
3. خاتم الأولياء واسطة بين الله والأنبياء
يذهب ابن عربي إلى أن خاتم الأولياء هو المصدر الذي يستمد منه الأنبياء: "الرسل لا تشهد العلم إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فإن الرسالة والنبوة - أي نبوة التشريع ورسالته - ينقطعان، والولاية لا تنقطع أبداً، فالمرسلون - مع كونهم أولياء - لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من الأولياء" (ابن عربي، الفتوحات المكية، ج3، ص 328).
ويؤكد: "الأنبياء لا ينالون الولاية إلا بواسطة خاتم الأولياء، فإنه الواسطة بين الحق والخلق في إفاضة العلوم الإلهية" (ابن عربي، فصوص الحكم، فصل في كلمة محمدية، ص 217).
4. ادعاء ابن عربي ختم الولاية لنفسه
يشير ابن عربي إلى أنه هو خاتم الأولياء في أبياته:
"أنا ختــــــــم الولاية دون شـك لورثي الهاشمي مع المســـيح
كـــــــــما أني أبو بـكر عتيق أجـــــــاهد كلّ ذي جسـم وروح"
(ابن عربي، الفتوحات المكية، ج1، ص 7).
ويقول نثراً: "وأما ختم الولاية المحمدية فهو لرجل من العرب، ومن أكرمها أصلاً وبدءاً، وهو في زماننا اليوم موجود، عرِّفت به في سنة خمس وتسعين وخمسمائة ورأيت العلامة التي قد أخفاها الحق فيه عن عيون عباده، وكشفها لي بمدينة 'فاس' حتى رأيت ختم الولاية عنه" (ابن عربي، الفتوحات المكية، ج3، ص 329).
5. المبررات التي ذكرها لتفضيل الولي على النبي
يقدم ابن عربي عدة تعليلات:
الجهة الحقانية والخلقية: "مرتبة الولاية والمعرفة لها جهة حقانية، وبالتالي فهي أبدية ودائمة الوجود، ومرتبة الرسالة لها جهة خلقية، لذا فهي منقطعة غير أبدية، إذ تنقطع بالتبليغ، والفضل للدائم الباقي" (ابن عربي، الفتوحات المكية، ج2، ص 134)
و"الولاية متعلقة بالآخرة، بينما تتعلق الثانية بالنشأة الأولى الدنيوية" (ابن عربي، الفتوحات المكية، ج2، ص 135).
الرسل أولياء عارفون أرفع: "الرسل كأولياء عارفين، هم أرفع من كونهم رسلاً. فالولاية والمعرفة تجعلهم في بساط المشاهدة في الحضرة المقدسة. في حين أن الرسالة تنزلهم إلى العالم الأضيق" (ابن عربي، فصوص الحكم، فصل في كلمة موسوية، ص 198).
الولاية صفة إلهية: "الولي هو صفة من صفات الله... ولم يرد من صفاته النبي أو النبوة، ولهذا انقطعت النبوة والرسالة ولم تنقطع الولاية" (ابن عربي، الفتوحات المكية، ج3، ص 312).
الولاية أعم: "للولاية من الشمول؛ بحيث أن من درجاتها النبوة والرسالة" (ابن عربي، فصوص الحكم، فصل في كلمة محمدية، ص 215).
6. اكتساب النبوة
يطرح ابن عربي فكرة أن النبوة يمكن اكتسابها: "النبوة مقام يعطى للنبي المشرع كما يعطى لغيره من التابعين الذين يجرون على سنته. وهو باتباعه يكون قد أخذ النبوة بالاكتساب" (ابن عربي، الفتوحات المكية، ج2، ص 245).
ويصف بعض الأولياء بأنهم "أنبياء الأولياء" (ابن عربي، الفتوحات المكية، ج2، ص 246)، ويزعم "أنهم يسمعون الوحي (جبريل) ويسألون النبي ويصححون الأخبار" (ابن عربي، الفتوحات المكية، ج2، ص 247).
7. ولاية النبي
يخلص إلى أن "ولاية النبي محمد هي أكمل وأتم وأعظم من نبوته ورسالته وتشريعه" (ابن عربي، فصوص الحكم، فصل في كلمة محمدية، ص 214)، لأن "الولاية هي باطن النبوة" (ابن عربي، فصوص الحكم، ص 215).
ثالثاً: القونوي... محاولة التبرير (ت 673هـ)
صدر الدين القونوي، تلميذ ابن عربي، حاول تبرير هذه الأفكار: "إن النبي من حيث كونه ولياً أفضل منه من حيث كونه نبيّاً، لأن الولاية وجهته إلى الحق، والنبوة وجهته إلى الخلق. ولا يلزم من ذلك ما ظن من المحذور، لأنه إنما كان يلزم تفضيل الولي على النبي لو وجد نبي غير ولي، وهذا لا يوجد، فالنبي فيه الولاية وزيادة النبوة، فهو أجل مقاماً وأسنى قدراً" (القونوي، إعجاز البيان في تفسير أم القرآن، ص 234).
رابعاً: الآملي... القشر واللب والدهن (ت بعد 787هـ)
حيدر الآملي صاغ المراتب الثلاث بصورة تشبيهية: "حيث أن لها ظاهراً وباطناً وباطن الباطن، أي أن لها قشراً ولباً ودهناً، فالقشر هو الرسالة، واللب هو النبوة، والدهن هو الولاية، وأن الأخيرة هي باطن النبوة، وأن النبوة هي باطن الرسالة" (الآملي، جامع الأسرار ومنبع الأنوار، ص 345).
ويؤكد أن "أعظم هذه المراتب الثلاث هي الولاية ثم النبوة ثم الرسالة، تبعاً لغور الباطن" (الآملي، جامع الأسرار ومنبع الأنوار، ص 346).
ثم يقارن: الشريعة دون الطريقة، والطريقة دون الحقيقة، والوحي دون الإلهام، والإلهام دون الكشف (الآملي، جامع الأسرار ومنبع الأنوار، ص 347).
خامساً: الجيلي... ولاية النبي أفضل من نبوته (ت 832هـ)
عبد الكريم الجيلي يقول: "ولا ولاية أعظم من ولايته - يعني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - لما اتفق عليه الجمهور أن كل نبي ولي وكل رسول نبي ولا عكس... ولهذا قال المحققون: إن الولاية أفضل من النبوة يريدون بذلك في الرجل الواحد، يعني أن ولاية النبي أفضل من نبوته" (الجيلي، الكمالات الإلهية في الصفات المحمدية، ص 156).
ويضيف: "فالولاية عبارة عن الوجه الإلهي للنبي، والرسالة عبارة عن الوجه الذي بين النبي وبين الرسول" (الجيلي، الكمالات الإلهية في الصفات المحمدية، ص 157).
سادساً: ابن سبعين... موقف متطرف (ت 667هـ)
نقل الذهبي عن ابن سبعين قوله: "لقد تحجّر ابن آمنة واسعاً بقوله: لا نبي من بعدي" (الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج17، ص 340). وعلق الذهبي: "إنْ كان ابن سبعين قال هذا فقد خرج به عن الإسلام" (الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج17، ص 340).



