المولد والبيئة العلمية
ولد الإمام أبو صالح محيي الدين عبد القادر بن موسى الجيلاني في إقليم "جيلان" (عام 470 هـ)، في بيئة عرفت بالصلاح والتقوى. شد الرحال إلى بغداد، حواضر العلم آنذاك، وهو في الثامنة عشرة من عمره، فتتلمذ على كبار شيوخها في النحو، واللغة، والفقه، والحديث. برع في المذهب الحنبلي حتى صار من أساطينه، وجمع بين قوة الحجة اللغوية وبين التبحر في المعقول والمنقول، مما هيأه ليكون معلماً ومربياً تضرب إليه الأمثال.
المكانة العلمية واللغوية.
لم يكن الشيخ مجرد واعظ، بل كان عالماً لغوياً مفوهاً؛ ويظهر ذلك جلياً في كتابه "الفتح الرباني" الذي يعد نموذجاً للبيان العربي الرصين. امتازت دروسه بالدقة النحوية والقدرة على توظيف اللغة في تقريب المقاصد الشرعية، وكان مجلسه في بغداد يضم آلاف الطلاب وعلماء اللغة الذين كانوا يستمعون إليه وهو يفتي على مذهبي الإمام أحمد والإمام الشافعي، مما يعكس مرونة لسانية وفقهية نادرة.
المادحون والقادحون: رؤى متباينة في المنهج والطريقة
أثنى كبار الأعلام تاريخياً على جلالة قدر الشيخ؛ فقد وصفه الإمام الذهبي بأنه "الشيخ الإمام العالم الزاهد العارف القدوة، شيخ الإسلام، علم الأولياء"، ونقل ابن كثير في "البداية والنهاية" تفرد الشيخ في وقته وصدق لهجته. كما خصه ابن تيمية بتقدير عالٍ واعتبره من "مشايخ أهل الاستقامة"، بل وشرح بعض كلامه في "فتوح الغيب" مدافعاً عنه ضد من اتهمه بالشطح. وسار ابن حجر العسقلاني على نهج تعظيمه كإمام من أئمة العلم والسلوك.
وفي المقابل، نجد تقديراً بالغاً من أقطاب التصوف كـ الشعراني ويوسف النبهاني، اللذين اعتبرا طريقته "أصل الطرق" وبالغا في وصف كراماته ومقامه الغوثي. وفي العصر الحديث، برز الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي مدافعاً صلباً عن الجيلاني، معتبراً إياه حصناً للشريعة ومجدداً روحياً، وداعياً للتفرقة بين شخصية الشيخ الورعة وبين ما قد ينسبه إليه بعض الجهلة.
أما مدرسة الحديث المعاصرة، ممثلة في الأئمة ابن باز والألباني وابن عثيمين، فقد كان موقفهم قائماً على التفصيل؛ حيث أثنوا على الجيلاني كعالم حنبلي سلفي العقيدة في أصله، مؤكدين أن ما في كتابه "الغنية" من إثبات الصفات هو الحق. لكنهم انتقدوا بشدة "الطريقة القادرية" المعاصرة وما شابها من غلو في شخص الشيخ يصل حد الاستغاثة به، واعتبروا ذلك مخالفاً لتوحيد الألوهية ولنهج الشيخ نفسه الذي كان يشدد على عرض كل "حال" على ميزان الكتاب والسنة.
الخلاصة
يبقى الإمام عبد القادر الجيلاني رمزاً للتكامل بين "العلم والسلوك"؛ فالرجل الذي ملأ الدنيا بعلمه لم يخرج يوماً عن دائرة الدليل الشرعي، وما وقع من خلاف حوله إنما يعود لتصرفات الأتباع أو الغلو في النقل، بينما تظل سيرته العلمية واللغوية نبراساً للباحثين عن الأصالة في الفكر الإسلامي.



