كان الصحابة الكرام –رضوان الله عليهم– أشد الناس حبًا لله وأكثرهم عبادة، كانوا يذكرون الله قيامًا وقعودًا ويقومون الليل حتى تتفطر أقدامهم، لكن ذكرهم وعبادتهم كانت منضبطة بضوابط الشرع، ولم يخرج أحدهم إلى غلو أو شطح، وكانوا يحبون الله كثيرًا، ولا يشغلهم ذلك عن واقعهم وحياتهم، فجمعوا بين حب الخالق – سبحانه - وحقوق الخلق والإقبال عليهم.
وهذا المقال ليس نقدًا للذكر والعبادة والتزكية، بل هو وقفة تحليلية مع مفهومين ابتدعتهما طائفة بعد القرون المفضلة، وهما (الفَنَاءُ والبَقَاءُ). وسنتتبع كيف تحول هذان المصطلحان من معنى من معاني الأخلاق (التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل) إلى شطحات تجاوزت حدود الشرع، ثم إلى عقائد الحلول والاتحاد ووحدة الوجود التي هاجمها أئمة المسلمين، معتمدين في ذلك على نصوص الصوفية أنفسهم، كاشفين انحرافاتها، وراصدين حضور هذا المفهوم في الخطاب الصوفي المعاصر.
قبل أن نغوص في تاريخ المصطلح، نشير إلى أن هذا المفهوم ليس مجرد تراث قديم قد اندثر عند الصوفية وطواه الزمن؛ كلا، بل هو حاضر وبقوة في الخطاب الصوفي المعاصر، بل تتبناه شخصيات صوفية كبرى، وكذلك المنصات الصوفية الإلكترونية المتخصصة.
فالدكتور علي جمعة (مفتي مصر الأسبق) قال في منشور فيديو على صفحته الرسمية بفيسبوك (14 يونيو 2018): "الفناء: غياب العبد عن شهود نفسه والخلق لاستغراقه في الحق"(¹)، وأصر على أن البقاء أشرف من الفناء.
والحبيب عليّ الجفري في برنامجه الرمضاني "أيها المريد" (الحلقة 28، رمضان 2018م) شرح الفناء بقوله: "التلاشي عن رؤية النفس والخلق بظهور سلطان الحقيقة"(²)، وقرر أن "حال البقاء أشرف، وحال الفناء أعذب".
وكذلك الدكتور يسري جبر – وهو أشدهم تعصبًا – خصص سلسلة كاملة بعنوان "الفناء والبقاء شرح كتاب الرسالة القشيرية" ومحاضرات بعنوان "وحدة الوجود عند الصوفية" و"شرح فصوص الحكم لابن عربي"(³).
ومحمد الزبير حساني خصص حلقتين كاملتين بعنوان "مفهوم الفناء عند السادة الصوفية"(⁴)، والشيخ عبد القادر عيسى في كتابه "حقائق عن التصوف" يذكر أن للفناء تسع مراتب أولها الذهول(⁵)، والدكتور محمود قطان في سلسلة "أصول التصوف المحمدي" (الحلقة 11) يشرح أنواع الفناء والبقاء مع خط بياني توضيحي(⁶). كما أفرد موقع هنداوي فصلاً كاملاً لـ "مقام الفناء الصوفي" وأكدت على أن "الفناء كما يقول الجرجاني هو عدم الإحساس بعالم الملك والملكوت بالاستغراق في عظمة الباري"(⁷)، ونشر موقع الصوفية (أرشيف) بحثًا حول "علاقة الفناء بالشهود" والأخطاء التي قد يقع فيها السالك(⁸)، وخصصت الطريقة التيجانية دراسة أكاديمية لـ "حال الفناء في التجربة الصوفية"(⁹).
هذه النماذج تثبت بلا جدال أن مصطلح الفناء والبقاء ليس قضية تاريخية منتهية، بل هو واقع معاصر حي يُدرَّس للعامة كأعلى مقامات العارفين، وهذا يفرض علينا أن نفهم جذوره وتطوره ثم نقده نقدًا علميًا رصينًا.
أما تعريف الفَنَاء في لغة العرب فهو مصدر الفعل "فني يفنى فناءً"، وهو نقيض البقاء، يقال "فني الشيء" إذا ذهب وتلاشى وزال أثره. وأصل المادة اللغوية (ف ن ي) تدور حول الزوال والاضمحلال والانتهاء.
أما (البَقَاءُ) فهو ضد الفناء، وهو الثبوت والدوام والاستمرار.
وقد استعمل القرآن الكريم اللفظين في معناهما الحسي المباشر: قال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) [الرحمن: 26]، أي زائل وهالك، وقال سبحانه: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [الرحمن: 27]. فالاستعمال القرآني إذن مقصور على زوال الحياة الدنيا، فليس فيه أي إشارة من قريب أو بعيد إلى معنى وجداني أو روحي.
فلما انتقل لفظا "الفناء والبقاء" إلى حيز الاصطلاح الصوفي، نُقِلا من دلالتهما على "زوال الوجود الحسي" إلى تأويلات جديدة تعبر عن توجهات القوم وعقائدهم.
والملفت أن الصوفية أنفسهم قسموا هذا المصطلح إلى درجات متصاعدة. يقول الشريف الجرجاني (740-816هـ/ 1339-1413م)(10) في معجمه "التعريفات": "الفناء: سقوط الأوصاف المذمومة، والفناء فناءان: أحدهما ما ذكر، وهو بكثرة الرياضة، والثاني عدم الإحساس بعالم الملك".
هذا التقسيم يكشف عن الانتقال من المعنى الأخلاقي (سقوط الرذائل) إلى المعنى الصوفي الشعوري (عدم الإحساس بالخلق).
ويزيد الكلاباذي (ت 380 هـ/ 990 م) في "التعرف لمذهب أهل التصوف" الأمر وضوحًا، فيضع تعريفًا يظهر فيه عنصر الخطر الأول: "الفناء هو أن يفنى عنه الحظوظ؛ فلا يكون له في شيء من ذلك حظ، ويسقط عنه التمييز فناء عن الأشياء كلها شغلاً بما فنى به"(¹¹)، أي: أن العبد ينسى نفسه وهواه لانشغال قلبه بطاعة الله ومراقبته، لا أنه يتحد بالله أو يخرج عن التكليف، وإلى هنا لا إشكال أو مخالفة في ذلك؛ إلا أن عبارة "سقوط التمييز" – هي مدار الخلاف كله، إذ أن فقدان التمييز يعني زوال العقل والإدراك، وهو ما يتعارض مع أصل التكليف. غير أن الكلاباذي نفسه نبّه إلى أن هذه الحالة لا تدوم، لأن دوامها "يوجب تعطيل الجوارح عن أداء المفروضات"(¹¹).
وهذا المفهوم في بدايته كان مقبولاً عند بعض الصوفية الأوائل، الذين جعلوا الفناء في حدود الإخلاص وسقوط الرذائل، وفضلوا البقاء والصحوة على الفناء والسكر.
ولكن هذه المرحلة – مع اتساع دلالة المصطلح – مهدت الطريق لما هو أخطر.
حتى جاء أبو يزيد البسطامي ليكون نقطة التحول الأبرز في تاريخ الفناء الصوفي، حيث تجاوز المعنى الأخلاقي للإخلاص إلى القول بمحو الذات وذوبانها في الذات الإلهية.
وغلبت عليه أحوال السكر والغيبة، فنطق بعبارات غريبة أصبحت نموذجًا للشطحات. نسبت إليه أقوال هي أقرب إلى الاتحادية: كقوله «سبحاني ما أعظم شأني» وهذا القول يوحي بنفي الاثنينية بين الخالق والمخلوق، إذ جعل لنفسه صفة الإلهية(12)، وقوله «خرجت من بايزيديتي كما تخرج الحية من جلدها، فنظرت فإذا العاشق والمعشوق واحد» وهذا القول لا يفرق بين الله والعبد، بل يقر بالاتحاد بينهما(13)، و«رفعت إلى السماء فقيل لي: زيني بوحدانيتك وألبسني أنانيتك» وهو تصريح بطلب صفة الربوبية، مما يمنع الاثنينية ويزيل الحدود بين الخالق والمخلوق(14). وصُدّرت هذه الأقوال على أنها قالها صاحبها وهو في حال السُّكْر (الغيبة بوارد قوي) التي يفقد فيها التمييز، قبل أن يعود إلى الصَّحْو (الإحساس بعد الغيبة). وليس المهم هنا البسطامي شخصيًا، بل الأثر الذي تركته هذه الكلمات فيمن جاء بعده، الذين حولوا هذه الشطحات من ذهول عابر إلى مذهب اتحادي متكامل.
وإذا كانت أقوال البسطامي قد دارت في فلك الاتحاد الشعوري، فإن الحسين بن منصور الحلاج جاء ليرفع السقف بكثير، ويصرح بالحلول كعقيدة واضحة لا مواربة فيها. سطر هذا الاعتقاد في كتابه "الطواسين": «أنا الحق» وهذا إعلان صريح بنفي الاثنينية بين الخالق والمخلوق، إذ يتحدث بلسان الربوبية)(15)، و«سبحان من أظهر ناسوته... سر سنا لاهوته الثاقب» (أي حلول الإلهي في البشري)(¹⁶)، و«مزجت روحك في روحي كما تمزج الخمرة بالماء الزلال» وهو تصريح بامتزاج الذات الإلهية بالذات البشرية، مما يمنع الاثنينية ويلغي الفرق بين الخالق والمخلوق(¹⁷). وجوهر عقيدته هنا: سقوط الحدود بين الخالق والمخلوق، وحلول الإلهي في البشري. هذه هي النقلة من الفناء كحالة عابرة إلى الاعتقاد بالحلول كحقيقة ثابتة، وصولاً إلى (الجَمْع) (شهود الخلق بالحق) الذي يعني رؤية الكون كله مظهرًا للإله الواحد.
ثم مع محيي الدين بن عربي تحول الفناء من حالة عابرة أو شطح لحظي إلى نظرية فلسفية مكتملة الأركان. بنى مذهبه على اعتقاد أن الوجود بأسره حقيقة واحدة، وأن المَحْوَ (رفع أوصاف العادة) والطَّمْس (انمحاء الأثر بالكلية) ليسا مجرد حالات، بل كشف لحقيقة أن الخلق ليس له وجود مستقل. حيث قال في "فصوص الحكم": «لا موجود في الحقيقة إلا الله»(¹⁸)، وفي "الفتوحات المكية": «الوجود كله ظل الله»(¹⁹)، و «ما في الوجود إلا الله والخلق ليس إلا تجليًا للوجود الواحد» وهذا القول لا يفرق بين الله والعالم، بل يقر بوحدة الوجود(²⁰).
وتؤكد الدراسات أن الفناء بهذا المدى الفلسفي أصله وجذوره في الأفلاطونية المحدثة (وحدة الوجود والفيض) كما عند أفلوطين، وهو ما نقلته الصوفية لاحقًا(²¹). أما البوذية فغايتها النيرفانا: الانطفاء التام في اللاوجود المطلق وذوبان الفردية(²²). والهندوسية تقوم على اتحاد الأتمان (الروح الفردية) بالبراهمان (الروح الكونية)، وهو عين ما عبر عنه البسطامي بـ "الفناء في الذات".
هذه الجذور تفسر كيف تسللت تلك المفاهيم إلى التصوف عبر حركة الترجمة والاحتكاك الثقافي، وأثبتت أن المصطلح في صورته الفلسفية دخيل على الإسلام لا ناتج عن جوهره الأصيل (²³).
وعند هذه المرحلة من تطور المصطلح، وقف علماء المسلمين وقفة حازمة، رافضين الإفراط الذي وصل إليه الفناء، وموضحين خطورته على التوحيد والعبودية. في مقدمة هؤلاء الرافضين الإمام شمس الدين الذهبي (ت 748هـ) الذي وصف الفناء بأنه من "ترهات الصوفية". ففي "سير أعلام النبلاء"، نقل الذهبي عن القرميسيني قوله: "علم الفناء والبقاء يدور على إخلاص الوحدانية وصحة العبودية، وما كان غير هذا فهو من المغالطة والزندقة"(²⁴). ثم علق الذهبي بنفسه: "صدقت والله، فإن الفناء والبقاء من ترهات الصوفية، أطلقه بعضهم فدخل من بابه كل إلحادي وكل زنديق، وقالوا: ما سوى الله باطل فان".
ويذهب الذهبي إلى أن المعنى الأول الذي كان يقصده قدماء الصوفية بالفناء إنما هو "نسيان المخلوقات وتركها" مؤقتًا، وليس نفي وجودها أو الحلول فيها. لكنه يرد على هذا المعنى الأخف أيضًا، قائلاً: "ولا يسلم إليهم هذا أيضًا، بل أمرنا الله ورسوله بالتشاغل بالمخلوقات ورؤيتها" مستشهدًا بقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 185].
وإذا كان الذهبي قد اكتفى برد الاعتبار الكلي للفناء في صوره المتطرفة، فإن شيخ الإسلام ابن تيمية أجرى تحليلاً مفصلاً دقيقًا قسّم فيه الفناء إلى ثلاثة أقسام، كاشفًا بذلك عن جذور الإشكال وأخطاره المتدرجة. يقرر شيخ الإسلام – كما في "مجموع الفتاوى"(²⁵) –
أن الفناء ثلاثة أنواع:
النوع الأول: الفناء الديني الشرعي المحمود – وهو "فناء القلب عن إرادة ما سوى الحق" أي عن حظوظ النفس والأهواء، وهذا هو التوحيد والإخلاص الخالص، وهو الذي كان عليه الأنبياء والصحابة، ولا مناقشة فيه أنه روح العبادة.
النوع الثاني: الفناء عن شهود ما سوى الرب – وهو أن يغيب وعي العبد عن رؤية الخلق، فينشغل بالله وحده ناسيًا كل شيء، وهذا في نظره ناقص، لأن الكمال الحقيقي أن يجمع العبد بين شهود الخالق وشهود خلقه، كما كان الصحابة – رضوان الله عليهم – يجمعون بين حب الله والانشغال الدنيوي.
النوع الثالث: فناء القلب عن وجود ما سوى الرب - وهو الأخطر-، وهو الاعتقاد بأن المخلوقات غير موجودة في حقيقتها، وأن الشيء الوحيد الموجود هو الله سبحانه، وهذا هو الذي يعبر عنه بـوحدة الوجود أو الحلول أو الاتحاد، وهذا في نظر ابن تيمية كفر صريح لا شك فيه، لأنه يلغي الفرق بين الخالق والمخلوق الذي هو أساس التوحيد.
وسار تلميذه الإمام ابن القيم الجوزية على النهج نفسه في تحليل وتصنيف مراتب الفناء، في كتابه القيم "مدارج السالكين"(²⁶).
غير أن النقد لم يقتصر على هؤلاء الأئمة القدامى، بل امتد إلى أكاديميين وباحثين معاصرين كبار، قد تعاملوا مع الظاهرة بروح موضوعية ومنهجية علمية متخصصة، كاشفين عن جذورها وتطوراتها. د. عبد الرحمن بدوي دوّن وجمع الشطحات في كتابه "شطحات الصوفية" (²⁷)، حلل فيها النصوص بأسانيدها ومصادرها الأصلية، وخلص إلى أن الكثير من هذه الأقوال لا يمكن الدفاع عنها. ود. أبو الوفا التفتازاني في كتابه "مدخل إلى التصوف الإسلامي"(²⁸) يفصل بين اتجاهات التصوف، ويميز بين الاعتدال الذي يمثله الجنيد وبين الفلسفة التي يمثلها البسطامي والحلاج وابن عربي، ويخلص إلى أن الفناء في صورته الفلسفية أدى إلى القول بالاتحاد والحلول ووحدة الوجود، وهي جميعها تتناقض مع أصول التوحيد. ود. علي سامي النشار خصص كتابه "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام"(²⁹) بالحديث عن تأثير الفلسفات الأجنبية على التفكير الصوفي، وكشف عن أصول فكرة الفناء وربطها بالأفلاطونية المحدثة والغنوصية القديمة. ود. زكي نجيب محمود ناقش في كتابه "المعقول واللا معقول في تراثنا الفكري"(³⁰) الرؤية الصوفية، ورفض رفضاً قاطعًا تحويل التجارب الذوقية الشخصية إلى حقائق موضوعية تتصادم مع العقل، ووصف الفناء والمعاني المرتبطة به بأنها تخرج عن منطق الإدراك العادي.
والآن وقد وصل البحث إلى نهايته تبين لنا: أن هذا المفهوم، بدأ كبذرة زكية، ثم نمت على غير هدى، حتى تحولت إلى غصن شائك، ثم جفت ويبست، فأصبحت حطباً لوحوش الضلال (اتحاد، حلول، وحدة وجود).
أين هذا من طريق الوسطية الذي سار عليه الحبيب المصطفى ﷺ وأصحابه الغر الميامين؟



