جعل الإسلام العبادةَ تكليفًا مباشرًا بين العبد وربه، لا وسيط فيه ولا طبقات، قال تعالى {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36]، طريقها الإخلاص والمتابعة، ينالها كل عبد دون حاجة إلى إذن شيخ أو اجتياز مراحل.
غير أن الصوفية طوّروا نظامًا سلوكيًا أطلقوا عليه "المقامات والأحوال"، جعلوا فيه السير إلى الله سُلّمًا صعوديًا، يرتقي فيه المريد درجة درجة.
وهذا النظام المبتدع يدرس لليوم وينشر للعالم عبر اليوتيوب([1])، وتفرد له الموسوعات المعاصرة مجلدات([2])، وتبني عليه الطرق الصوفية برامجها السلوكية كاملة([3])، وفي هذا المقال نركز الحديث على "المقامات"، وأرجئ الكلام على "الأحوال" إلى مقال تالٍ.
ولكي ندرك عمق الإشكال، نتتبع مصطلح "المقام" من جذوره.
"المقام" في القرآن معناه: موضع كرامة وتشريف، كقوله تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79]، وقد فسره ابن عباس، رضي الله عنهما، بأنه "مقام الشفاعة"([4])، فهو منحة إلهية لا درجة تُكتسب. وقد كان هذا المعنى هو السائد حتى القرن الثالث الهجري حيث عرّف السراج الطوسي (ت 378هـ) المقام بأنه "مقام العبد بين يدي الله عز وجل، فيما يقام فيه من العبادات"([5])، وهو تعريف منضبط، يمثل فكر أوائل الصوفية الذين دار حديثهم حول العبادات المشروعة قبل أن يظهر خط الانحراف المتأخر.
حين أعاد الصوفية تعريفه، جعله الجرجاني (ت 816هـ) "عبارة عما يتوصل إليه بنوع تصرف، ويتحقق به بضرب تطلب ومقاساة وتكلف"([6])، محولين إياه من منحة ربانية إلى مكسب بشري دائم ومستقر. أما "الحال" فهو عندهم موهبة ترد على القلب وتزول([7])، مع اعتراف القشيري باضطراب العلاقة بينهما وتداخلهما، فقد يتحول الحال عنده إلى مقام([8])، مما يهزّ مصداقية النظام كله.
ولم يقتصر تطور هذا التصور على تبديل التعريف، بل امتد إلى أقسامه، فبعد أن قسّمه الطوسي إلى سبعة أقسام: "التوبة، والورع، والزهد، والفقر، والصبر، والتوكل، والرضا"([9])، جاء السهروردي (ت 632هـ) وزادها إلى عشرة([10]). وشرط القشيري (ت 465هـ) للترقي "استيفاء أحكام المقام السابق"([11])، وهنا زرعت بذرة "السلم الصعودي" التي أثمرت أخطر مرحلة: تحويل المقامات إلى نظام طبقي يصنف الناس في العبادة إلى "عابد" و"مريد" و"عارف".
فـ "العابد" عندهم هو المبتدئ الملتزم بظاهر الشرع، الخائف من النار، الطامع في الجنة([12])، وهذا الذي يُعتبر عندهم في أدنى الدرجات! مع أن الله مدح أنبياءه به: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء: 90].
ثم "المريد" الذي يتجاوز الخوف والرجاء إلى "المحبة المجردة"، وقد بلغ الغلو بأبي بكر الشبلي (ت 334هـ) أن جعل الخوف من النار شركًا، فقال: "لو خطر ببالي أن الجحيم بنيرانها وسعيرها تحرق مني شعرة لكنت مشركاً"([13]). وفي قمة الهرم الاصطلاحي: "العارف" الذي تجاوز العبادة ووصل "المعرفة"، وقد عبّر عن نخبويته رُويم بن أحمد البغدادي بقوله: "رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين"([14])، فتقديم "الرياء" (وهو شرك أصغر) على "الإخلاص" (وهو أصل الدين) يمثل قمة الانحراف المفهومي.
والأخطر أن هذا التقسيم أُسقط على مفاهيم الدين نفسها، فلم تعد التوبة واحدة، بل صارت ثلاثًا: "توبة العوام من الذنوب، وتوبة الخواص من الغفلة، وتوبة خواص الخواص مما سوى الله"([15]). وهكذا تحول الدين الواحد إلى ثلاث طبقات، لكل طبقة أحكامها، مما يفتح باب التحلل من التكاليف عن "الخواص". هذا هو منتهى الانحراف في باب المقامات، وبقي الركن الثاني: الأحوال، وسنقف عنده في حديث قادم إن شاء الله.
أمام هذا الانحراف، تصدى أئمة الإسلام لهذا النظام المبتدع. فكان ابن الجوزي (ت 597هـ) من أشدّ الناقدين لهذا الانحراف فأفرد في كتابه "تلبيس إبليس" فصولاً كاملة لنقد ما استحدثه الصوفية من مقامات وأحوال، معتبرًا أن هذه التقسيمات من جملة ما لبّس به الشيطان على الناس. ويقول في كتابه "صيد الخاطر": "وجدتُ أكثر الصوفية والزهاد منحرفًا عن الشريعة بين جهلٍ بالشرع وابتداءٍ بالرأي، يستدلون بآيات لا يفهمون معناها"([16]). ويرى أن تسمية هذه المقامات بهذه الأسماء الخاصة، وتقسيمها إلى هذه الدرجات، هو من البدع التي لم يأتِ بها شرع، وأنها ذريعة إلى تعطيل الأحكام الشرعية والانغماس في البطالة تحت مسمى "المجاهدة" و"الرياضة".
وجاء ابن تيمية (ت 728هـ) فأعاد هذه المصطلحات إلى أصلها، فميّز بين "أعمال القلوب" المشروعة كالتوكل والصبر، وبين جعلها "مقامات" اصطلاحية، محذرًا من أن هذا النظام يفضي إلى القول بإسقاط التكاليف عن "الخواص"، ومؤكدًا أن "الأمر والنهي لازمان لكل عبد ما دام عقله حاضرًا"([17]). وسار ابن القيم (ت 751هـ) على نهجه بمنهج "تقويمي" في "مدارج السالكين"، يقبل من مصطلحات القوم ما وافق الكتاب والسنة، ويردّ ما خالفهما، محذرًا من "شطحاتهم" التي قد تخدع الناس بظاهرها([18]).
وفي الأندلس، وجّه الإمام الشاطبي (ت 790هـ) في كتابه "الاعتصام" نقدًا مقاصديًا صارمًا لمنظومة المقامات والأحوال عند المتأخرين؛ حيث انتقد بشدة تحويل هذه الأحوال إلى غايات مستقلة تُقصد لذاتها بمعزل عن الشريعة الظاهرة، أو جعلها معيارًا للتفاضل بين العباد على حساب الامتثال للتكاليف الشرعية.
ونبّه الشاطبي إلى الخلل الأصولي الذي يقع فيه هؤلاء حين يظنون أن صاحب "المقام" قد يرتفع عن عموم المكلفين، أو يُعفى من انضباط الظاهر، مؤكدًا أن جعل المقامات بديلًا عن التكاليف، أو ادعاء أحوالٍ تخرج بالسالك عن جادة الفقه والاتباع، هو عين الابتداع والضلال الذي يدخل الخلل على الواضع للمذهب والمتبع له على حد سواء([19]).
وامتد النقد إلى العصر الحديث، فمن داخل التصوف نفسه، نقد أبو الوفا التفتازاني (1930-1994م) الطرق المعاصرة لمبالغتها في المظاهر والشكليات على حساب الجوهر الأخلاقي([20]). كما حذر الشيخ محمد الغزالي (1917-1996م) من الانشغال المفرط بهذه المصطلحات الذي يصرف المسلم عن العمل الصالح والعبودية الخالصة لله. وكتب د. محمد عمارة (1931-2020م) كتابه "مقام العقل عند الصوفية" محذرًا من تغليب الذوق والكشف على النص والعقل في تحديد المقامات والأحوال، ومبينًا أن التصوف الأصيل كان سلوكًا منضبطًا على الكتاب والسنة، بينما انحرف المتأخرون حين غرقوا في "التحلل من الشريعة والأحكام والتكاليف"([21]).
وقد أنتجت الجامعات العربية دراسات متخصصة في الموضوع، منها رسالة "المقامات والأحوال عند الصوفية وموقف السلف منها" للباحث مؤمن جمال عبد العزيز مرعي (2021م)([22]).
ولِفهم كيف تشكل هذا البناء الغريب، لا بد من الإشارة إلى الأطر الفلسفية الدخيلة التي أثرت فيه. فقد نشأ التصوف في بيئة منفتحة على ترجمات الأمم الأخرى([23])، فقد وفرت الأفلاطونية المحدثة فكرة "السلم الصعودي" للروح([24])، وتشابهت غاية "المقامات" الصوفية مع "النيرفانا" البوذية، كما أثبتت ذلك دراسة أكاديمية([25])، حيث يظهر الشبه جليًا في فكرة الترقي بالترتيب والتدريج وصولاً إلى مقام الفناء، وتلاقي وجهة الفناء الأخلاقية الصوفية القائمة على إخماد الميول والصفات، مع مفهوم النيرفانا البوذي الداعي لكبح جماح الطبيعة الحيوانية المثيرة للمعاصي لتعطيل إرادة الحياة، في حين تعود جذور فكرة "المعرفة الخاصة" للخواص إلى الغنوصية([26]). وهذه المؤثرات تكشف كيف انحرفت المصطلحات بفعل الثقافة الوافدة.
أما البديل لهذا الانحراف، فليس نظريات تُبْنى ولا مصطلحات تُصاغ، بل هو العودة إلى نقاء العبودية كما عاشها الجيل الأول. لقد بلغ الصحابة ذروة المقامات دون أن يعرفوا هذه التقسيمات، وأدركوا لبّ المعرفة دون أن يدوروا في أفلاك هذه المصطلحات. كان توكلهم عبادة، وصبرهم قربة، وخوفهم ورجاؤهم جناحين يطيرون بهما إلى الله، كل ذلك بإخلاص ومتابعة، بلا سلم طبقي أو شيخ يحتكر الطريق. وما أحوج المخدوعين بحسن نية اليوم أن يكتشفوا أن الطريق إلى الله أقصر مما يتصورون، وأن باب العبودية ما زال مفتوحًا لكل من أخلص لله واتبع رسوله، دون حاجة إلى جواز مرور من أحد."



