مدارك — الصفحة الرئيسيةمجلة شهرية علمية
في بيان حقيقة الصوفية
خزانة الوثائق

«لباس الفتوة»: بين نصرة المظلوم وتوظيف السلطة

د. دعاء أحمد 8 دقائق قراءةمحرم 1448 هـيونيو 2026 م 13
«لباس الفتوة»: بين نصرة المظلوم وتوظيف السلطة

ليست رسالة (لباس الفتوة) لعلي بن محمد بن محمد بن وفا، أبي الحسن القرشي الأنصاري الشاذلي المالكي، مجرد نص صوفي قديم في آداب المريدين أو رمزية الثياب؛ بل هي وثيقة كاشفة عن معنى عميق كان حاضرًا في بعض أدبيات التصوف القديم: معنى الفتوة بوصفها سترًا، ونجدة، وأدبًا مع الخلق، وانحيازًا للمظلوم لا تشهيرًا به. وقد أُدرجت الرسالة خامسة ضمن مجموعة (رسائل صوفية مخطوطة)([1])، والمنسوبة في الفهرس إلى ابن وفا الشاذلي.

نبذة عن المؤلف:

هو علي بن محمد بن محمد بن وفا، أبو الحسن القرشي الأنصاري الشاذلي المالكي، المعروف بابن وفا، من أعلام التصوف الشاذلي في مصر في القرن الثامن الهجري، وُلد في بيئة صوفية علمية، إذ كان أبوه محمد بن وفا من كبار المتصوفة والشعراء، وقد عُرف علي بن وفا بالوعظ والإرشاد والتأليف في المعاني الصوفية، مع انتسابه إلى المذهب المالكي واشتغاله بالأدب والشعر والموشحات، وتوفي سنة 807هـ. ومن آثاره المنسوبة إليه: رسالة لباس الفتوة، والوصايا، والباعث على الخلاص، والعروش، والمسامع الربانية، ومفاتيح الخزائن العلية، والكوثر المترع من الأبحر الأربع، وله كذلك ديوان شعر وموشحات ذات طابع صوفي.

زبدة الرسالة:

تبدأ الرسالة من عبارة دالة: "لباس الفتوة… يستر العورة ويؤمن الروعة"، وهي عبارة قصيرة لكنها تصلح مفتاحًا لفهم النص كله؛ فاللباس هنا ليس قماشًا ولا زيًّا طقوسيًا فحسب، بل معنى أخلاقي: أن تكون الفتوة ساترة للخلل، مطمئنة للخائف، حامية للضعيف. بتعبير مباشر: الفتوة ليست «لوك روحاني» ولا شارة اجتماعية يتفاخر بها صاحبها، بل وظيفة أخلاقية تجاه الناس.

وفي ترجمة ابن وفا الواردة قبل الرسالة تظهر جملة شديدة الأهمية في سياق هذا الباب :"لا تعب أخاك، ولا تعيره بمصيبة دنيوية؛ لأنه إما مظلوم وسينصره الله، أو مذنب عوقب فطهره الله، أو مبتلى فوقع أجره على الله"، هذه العبارة وحدها تكشف وجهًا نقيًا من الوجوه التي انتسبت إلى خطاب الفتوة: عدم التشفي، وعدم كسر الضعيف، وعدم جلد صاحب المصيبة. فالمظلوم في هذا التصور ليس مادة للشماتة، بل صاحب حق ينتظر نصر الله.

وتتكرر في الرسالة ومحيطها إشارات أخلاقية عملية؛ منها الدعوة إلى الكلام بخير أو الصمت، والتنبيه على أن النوم الذي يعين على الطاعة خير من سهر يورث الكبر والدعوى، وأن العادة قد تفسد العبادة إذا صارت النفس هي المقصودة بها. وهذه المعاني تمثل جانبًا مهمًا من التصوف الأخلاقي القديم: محاسبة النفس، تهذيب السلوك، وكسر الغرور الديني الذي يجعل صاحبه يعبد صورته لا ربه.

غير أن قراءة الوثيقة بإنصاف تقتضي ألا نأخذ منها الجانب المضيء وحده. فالرسالة تتحرك أيضًا داخل عالم رمزي كثيف: القطب، السر، التجلي، الأسماء، المقامات، والاصطفاء الخاص. وفي بعض عباراتها ترتفع منزلة «القائم بالله» إلى درجة خطرة في الوعي العملي؛ إذ يَرِد في النص أن من جادله فكأنما جادل الله، ومن نازعه فكأنما نازع الله. وهذه العبارة، مهما حُمِلت على مقام رمزي أو ذوقي، تفتح بابًا شديد الحساسية: باب تحويل الشيخ أو الولي أو المؤسسة الروحية إلى سلطة فوق النقد.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: التصوف القديم كان يحمل في بعض نصوصه معنى نصرة المظلوم، لكنه كان يحمل في بعض بنيته أيضًا بذرة قابلية للتحول إلى هرم مغلق؛ شيخ فوق السؤال، ومريد تحت التسليم، وخطاب غامض لا يستطيع العامة مناقشته. فإذا بقيت الفتوة أخلاقًا كانت نجدة، وإذا تحولت إلى امتياز روحي مغلق صارت أداة ضبط وسيطرة. وهذه ليست مشكلة صوفية خالصة؛ بل مشكلة كل خطاب ديني يرفع الأشخاص أو المؤسسات فوق المحاسبة.

ومن المهم أيضًا أن نلاحظ أن مفهوم الفتوة واللباس الصوفي لم يكن محل اتفاق داخل التراث الإسلامي نفسه. فقد ناقش ابن تيمية مثلًا ما عُرف بسراويل الفتوة وطقوسها([2])، وقرر أن مكارم الأخلاق مطلوبة أيًا كان اسمها، أما إحداث رسوم وطقوس تُنسب إلى السلف بغير أصل فذلك مردود. وهذه الملاحظة نافعة لأنها تذكرنا بأن نقد بعض ممارسات التصوف ليس وافدًا حديثًا، بل له جذور مبكرة داخل النقاش الإسلامي نفسه.

من زاوية الفتوة إلى منصات "الإسلام المعتدل"

في أحسن صوره، كان التصوف القديم أو لنقل: التصوف الأخلاقي الشعبي قريبًا من هموم الناس: إطعام، إيواء، صلح، ستر، شفاعة للمظلوم، وتهذيب للنفوس. ولم تكن الزاوية في صورتها الاجتماعية الأولى مجرد مكان للذكر، بل مأوى رمزيًا وماديًا لمن ضاقت بهم الحياة. ومن هنا نفهم لماذا كان خطاب الفتوة مرتبطًا بالستر والأمان: لأن الدين في وجدان الناس لا يُقاس بكثرة المصطلحات، بل بقدرته على منع الظلم ورفع الخوف.

أما في العصر الحديث، فقد ظهر نمط مختلف تمامًا يمكن تسميته "التصوف الرسمي أو التصوف الدبلوماسي"، تصوف المؤتمرات، ومراكز «تصحيح صورة الإسلام»، ومبادرات «السلام العالمي»، والشراكات العابرة للدول. المشكلة هنا ليست في الدعوة إلى السلام، ولا في الحوار مع غير المسلمين؛ فهذه أبواب لها أصولها وضوابطها. المشكلة تبدأ حين تتحول هذه العناوين إلى أداة لإعادة تعريف الإسلام سياسيًا، وإنتاج نسخة مريحة للسلطات والمنظمات الدولية، نسخة تُحسن الكلام عن التسامح، لكنها تصمت حين يُظلم المسلمون، أو تهاجم أهل السنة تحت لافتة مكافحة التطرف.

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لم يعد الحديث عن «الإسلام المعتدل» مجرد نقاش فكري، بل صار جزءًا من هندسة سياسية دولية. ففي تقارير مؤسسة RAND مثلًا وردت توصيات صريحة بتشجيع قبول التصوف وشعبيته، وبناء شبكات من المسلمين «المعتدلين» وربط ذلك بإستراتيجيات وسياسات أمريكية أوسع. وهذا لا يعني أن كل صوفي عميل أو كل مبادرة حوار مؤامرة؛ لكنه يثبت أن التصوف استُحضر في بعض مراكز التفكير الغربية بوصفه أداة قابلة للتوظيف السياسي في مواجهة تيارات إسلامية أخرى(([3].

منتدى تعزيز السلم: حين يصبح السلام غطاءً للسياسة

من أبرز الأمثلة المعاصرة منتدى تعزيز السلم المرتبط بأبوظبي، والشيخ عبد الله بن بيه. فالمنتدى يُعرّف نفسه بوصفه منصة تجمع علماء وقادة دينيين وأكاديميين ودبلوماسيين لتعزيز التسامح والسلام، كما تذكر جهات رسمية ودولية أن بن بيه مؤسس أو رئيس لهذا المسار ووجه بارز فيه.([4])

لكن موضع الإشكال ليس في عنوان «السلم»؛ فالسلم مقصد شرعي إذا كان عدلًا لا استسلامًا. الإشكال أن هذا الخطاب بدا في لحظات حاسمة أقرب إلى إسناد ديني للسياسات الرسمية. ففي سياق اتفاق التطبيع الإماراتي الإسرائيلي سنة 2020، نُقل عن مجلس الإمارات للإفتاء، برئاسة بن بيه، ما يفيد مباركة السياسة الإماراتية واعتبارها من باب المصلحة العليا. وقد أثار ذلك انتقادات واسعة، حتى إن بعض الشخصيات المرتبطة بحوارات السلام أعلنت انسحابها أو اعتراضها بحسب تقارير إعلامية.([5](

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل وظيفة العالم أو الشيخ أن يضبط السلطة بالحق، أم أن يمنحها لغة دينية ناعمة حين تحتاج إلى تمرير قرار سياسي كبير؟ الفتوة في رسالة ابن وفا «تؤمن الروعة»؛ أما الفتوى التي تبرر التطبيع مع كيان محتل بينما جراح المسلمين مفتوحة، فهي لا تؤمّن روعة المظلوم، بل تؤمّن روعة السلطة.

أمريكا: من الزوايا إلى منصات الأمن ومكافحة التطرف

في الولايات المتحدة يظهر مثال آخر لمفهوم الفتوة من خلال بعض المؤسسات الصوفية، مثلIslamic Supreme  Council of America  المرتبط بالشيخ هشام قباني، رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في أمريكا، وهو شخصية صوفية نقشبندية وللمجلس حضورًا في خطاب «الإسلام المعتدل» والحوار بين الأديان.([6](

الإشكال الأبرز وقع في أواخر التسعينيات حين شارك قباني في منتدى بوزارة الخارجية الأمريكية وقال فيه: "إن التطرف انتشر في نسبة ضخمة من مسلمي أمريكا أو قياداتهم"، وهي تصريحات أثارت عاصفة من الاعتراضات؛ حتى إن بعض المنتقدين رأى أنها تعطي ذخيرة لمن يريد تصوير المسلمين كتلة واحدة مشبوهة.([7])

هذا المثال يوضح خطورة أن ينتقل بعض رموز التصوف المؤسسي من دور إصلاح النفس إلى دور «الشاهد الخبير» ضد عموم المسلمين أمام مؤسسات سياسية وأمنية. مرة أخرى: ليست المشكلة في نقد التطرف، فالتطرف يُنقد شرعًا وعقلًا، لكن المشكلة في توسيع دائرة الاتهام حتى تشمل المجتمعات السنية المحافظة، ثم تقديم ذلك على منصات دولية بوصفه خدمة للإسلام.

الهند: توظيف «الصوفي الطيب» في مقابل "المسلم المزعج"

في الهند، عُقد مؤتمر World Sufi Forum سنة 2016 بتنظيم من All India Ulama and Mashaikh Board، وحضره رئيس الوزراء ناريندرا مودي، وشارك فيه وفود وشخصيات من دول متعددة. الخطاب الرسمي قدّم المنتدى بوصفه منصة لنشر السلام والتسامح، وتقديم التصوف كوجه مضاد للعنف والتطرف.([8](

لكن السياق الهندي لا يسمح بقراءة بريئة تمامًا. فحين تكون الأقلية المسلمة تحت ضغوط سياسية واجتماعية متزايدة، يصبح الاحتفاء الرسمي بـ«الإسلام الصوفي المسالم» قابلًا للتحول إلى أداة فرز: هذا مسلم مقبول لأنه صوفي هادئ، وذاك مسلم مشكوك فيه لأنه سني محافظ أو معترض سياسيًا. بهذا المعنى، لا يعود التصوف مجرد تراث روحي، بل يتحول إلى بطاقة اعتماد تمنحها السلطة لمن يقبل بشروطها.

المقارنة الحاسمة

الفرق بين الصوفية قديمًا وحديثًا - في هذا الباب تحديدًا - ليس فرقًا زمنيًا فقط، بل فرق وظيفة.

قديمًا، حين كانت الفتوة معنى أخلاقيًا، كان صاحبها يُسأل: هل سترت عورة أخيك؟ هل أمنت خوفه؟ هل نصرت مظلومًا؟ هل منعت شماتة الناس به؟ أما اليوم، في بعض نماذج التصوف الرسمي، صار السؤال مختلفًا: هل حضرت المؤتمر؟ هل وقعت إعلان السلام؟ هل أدنت «التطرف» بالصيغة التي ترضي الممول؟ هل تحدثت عن التسامح بما يكفي، وسكتّ عن الاحتلال بما يكفي؟

قديمًا، كان الخطر أن يغلو المريد في شيخه. اليوم، صار الخطر أن تتحول المؤسسة الروحية كلها إلى ذراع ناعم في يد الدولة أو مراكز النفوذ الدولي. قديماً كان الخلل في «شيخ فوق النقد». اليوم قد يصبح الخلل في «منتدى فوق النقد»، و«مجلس إفتاء فوق السؤال»، و«مركز حوار» يمنح شهادات الاعتدال لمن يوافق، وشهادات التشدد لمن يعترض.

قديمًا، كان «لباس الفتوة» يستر العورة ويؤمن الروعة. أما اليوم، فبعض عباءات السلام الرسمي تستر عورة السياسة لا عورة المظلوم، وتؤمن روعة السلطة لا روعة الأمة. وهنا بيت القصيد.



المصادر والإحالات

  1. https://www.rand.org/content/dam/rand/pubs/monograph_reports/2005/MR1716.pdf
  2. https://www.rfp.org/leadership_member/shaykh-abdallah-bin-bayyah-3/
  3. https://www.bakerinstitute.org/research/islamist-responses-arab-normalization-agreements-israel
  4. https://www.meforum.org/middle-east-quarterly/muhammad-hisham-kabbani-the-muslim-experience-in
  5. https://www.islamicity.org/668/u-s-sufi-leader-once-again-at-the-center-of-controversy/
  6. https://www.icwa.in/index.php
نسخة PDF من المادة

من باب خزانة الوثائق

رسالة في دوران الصوفية وثيقة في الدفاع عن الذكر الحركي وموقف النقد الشرعي منه
خزانة الوثائق

رسالة في دوران الصوفية وثيقة في الدفاع عن الذكر الحركي وموقف النقد الشرعي منه

تفتح «رسالة في دوران الصوفية» نافذة مهمة على جانب من الجدل الذي دار في القرون المتأخرة حول بعض الممارسات الصوفية المنتشرة، وبخاصة ما عُرف بالدوران في مجالس الذكر. والرسالة منسوبة إلى علي بن محمد الميلي الجمالي المغربي…

د. دعاء أحمد4 دقائقالعدد 6
تحقيق مخطوطة نفحات القرب والاتصال بإثبات التصريف لأولياء الله تعالىٰ والكرامات بعد الانتقال
خزانة الوثائق

تحقيق مخطوطة نفحات القرب والاتصال بإثبات التصريف لأولياء الله تعالىٰ والكرامات بعد الانتقال

تندرج رسالة «نفحات القرب والاتصال بإثبات التصريف لأولياء الله تعالىٰ والكرامات بعد الانتقال» ضمن النصوص الصوفية المتأخرة التي تكشف بوضوح عن أحد المسارات المركزية في الجدل الصوفي، وهو الانتقال من مجرد إثبات كرامات…

د. دعاء أحمد6 دقائقالعدد 5
من التفسير إلى التأويل الصوفي: قراءة نقدية في مخطوطة ابن عربي في الفاتحة والبسملة
خزانة الوثائق

من التفسير إلى التأويل الصوفي: قراءة نقدية في مخطوطة ابن عربي في الفاتحة والبسملة

في هذه المحطة من «خزانة الوثائق» نقف مع رسالة منسوبة إلى محيي الدين ابن عربي بعنوان «تفسير فاتحة الكتاب وأسرار بسم الله الرحمن الرحيم»، وهي الرسالة الثانية ضمن مجموع «رسائل صوفية مخطوطة». وتمثل هذه الرسالة نموذجًا…

د. دعاء أحمد6 دقائقالعدد 4

أعجبك هذا المستوى من التحرير؟

اشترك ليصلك كل عدد فور صدوره — إشعار واحد شهريًا.