تتردد في الخطاب الديني المعاصر مقولة مفادها أن الصوفية هم الحماة الحقيقيون لعلوم التزكية، وأن غيرهم منشغل بالجدل العقدي أو الفقهي على حساب تهذيب النفس وإصلاح القلب. وهذه دعوى تحتاج إلى تحرير؛ لأن التزكية في الإسلام ليست عنوانًا حزبيًا ولا ميراثًا خاصًا بطائفة، بل هي مقصد أصيل من مقاصد الوحي، قامت عليه دعوة الأنبياء، وتتابعت عليه جهود العلماء جيلاً بعد جيل.
أول ما ينبغي تقريره أن التزكية في مفهومها القرآني تقوم على أمرين متلازمين لا ينفك أحدهما عن الآخر: إصلاح الباطن بالأخلاق والعبادة ومجاهدة النفس، وإصلاح الاعتقاد بتوحيد الله وإخلاص العبادة له. ومن هنا كان الخلل المنهجي أن تُفصل التزكية عن التوحيد، أو تُجعل بديلاً عنه، أو تُستعمل لتبرير ممارسات تُضعف معنى الإخلاص حين تتجاوز الحدود المشروعة في التعظيم والتعلق.
والحق أن علماء السلف كانوا من أعمق الناس اشتغالًا بالتزكية، لكنهم لم يفهموها على أنها ذوق منفلت أو مشاعر مجردة، بل على أنها عبادة قائمة على العلم والاتباع. فمن تأمل مدوناتهم وجد بابًا واسعًا في تهذيب النفس، والورع، ومحاسبة القلب، وقمع الشهوات، ومعالجة الرياء، وتربية الإخلاص، وصيانة اللسان، وتعظيم حقوق العباد. ولم تكن هذه العلوم هامشًا عندهم، بل كانت جزءًا من الدين الذي يتعبدون به. بل إن اشتغالهم بالعقيدة الصحيحة كان في صميم التزكية؛ لأن القلب لا يزكو مع فساد التصور عن الله أو مع ضعف الإخلاص في القصد والطلب.
ثم إن التاريخ العلمي الإسلامي لم يعرف قطيعة بين العقيدة والتزكية في مدرسة السلف، بل كان التوحيد أصل البناء، والتزكية ثمرة هذا الأصل. ولهذا كانت محبة الصالحين عندهم محبة منضبطة لا ترفعهم فوق منزلتهم البشرية، ولا تمنحهم خصائص ليست لهم، ولا تفتح أبواب الاستغاثة أو التعلق القلبي بما لا يليق إلا بالله. فالتزكية تنتهي إلى تعظيم الله وحده، وإخلاص الطلب له، واستقامة السلوك على الشريعة، لا إلى صناعة هالة اجتماعية حول أشخاص أو مؤسسات.
ومن هنا يظهر موضع الإشكال في بعض الخطابات المعاصرة التي ترفع شعار التزكية، ثم تجعل جزءًا كبيرًا من حضورها قائمًا على قصائد المدح في الأشخاص الأحياء أو التعظيم الإعلامي لهم. فإن كانت التزكية هي تهذيب النفس وتخليصها من العجب والتعلق والبحث عن الجاه، فأي معنى تزكوي يبقى حين تتحول المنابر إلى مدائح شخصية، أو حين يصبح الولاء الديني مشدودًا إلى أسماء بعينها، مثل الإكثار من قصائد الثناء في شخصيات معاصرة كعلي جمعة أو أسامة الأزهري أو غيرهما؟ ليس المقصود الطعن في أشخاص بأعيانهم، وإنما نقد آلية صناعة الرمز حين تُقدَّم بديلاً عن العلم والعمل، أو تُغذّي تعلقًا غير صحي في قلوب العامة.
إن التزكية الحقيقية لا تُقاس بكثرة الأناشيد ولا بحجم الحشود ولا بمدى حرارة العاطفة، بل تُقاس بصدق التوحيد، واتباع السنة، واستقامة المعاملة، وترك الظلم، وحفظ اللسان، وإصلاح القلب من أمراضه الكبرى: الرياء، والكبر، والحسد، وحب المدح، والتعلق بالخلق. ومن ادعى احتكار التزكية لطائفة فقد صادم حقيقة الدين، لأن تزكية النفس وظيفة كل مسلم، وحراسة هذا العلم مسؤولية العلماء كافة.



