مدارك — الصفحة الرئيسيةمجلة شهرية علمية
في بيان حقيقة الصوفية
شبهات تحت المجهر

مقامات السالكين عند الصوفية: قراءة عقدية نقدية (1)

د. محمد بن متعب البشري 6 دقائق قراءةمحرم 1448 هـيونيو 2026 م 25
مقامات السالكين عند الصوفية: قراءة عقدية نقدية (1)

تعتبر مقامات السالكين عند الفكر الصوفي- بحسب تصورهم- مراحل متدرجة يمر بها السالك عبر المجاهدة، والرياضة، والذكر، والعزلة، حتى يبلغ الغاية التي يسمونها: الإنسان الكامل أو الولاية الخاصة، ويربطون هذه المرتبة بحصول الفناء والبقاء، والجمع بين الحقيقة والشريعة، والجذب والسلوك، ويرون أن السالك إذا لم يصل إلى هذه المرحلة فلا تتحقق الثمرة المقصودة من مجاهداته السابقة.

وقد تأثر هذا التصور بجملة من المفاهيم الصوفية المتقدمة التي توسعت في تقسيم المقامات والأحوال، وربطتها بالكشف والإفاضة والولاية الخاصة، حتى أصبحت المقامات عندهم ليست مجرد مراتب إيمانية وسلوكية؛ بل درجات باطنية يترقى فيها السالك إلى ما يصفونه بمنازل الفناء والمعرفة والاستغراق، ومن هنا تتجلى له وحدة الوجود على الوجه المناسب لمقامه؛ فليست الغاية عندهم أن يصل السالك إلى التصوف القائم على أعمال القلوب والجوارح، فإن أعمال الطاعات ومقامات السلوك الظاهرة يعتبرونها مانعًا من الترقي إلى حلاوة الشهود ولذة المعرفة، وإن الركون إليها من العوائق التي تمنع السالك من الوصول إلى المقامات الأعلى، ويظهر هذا بوضوح في كلام بعض رموزهم، كابن عجيبة: «فإن حلاوة الطاعة سموم قاتلة يمنع الوقوف معها من الترقي إلى حلاوة الشهود ولذة المعرفة، وكذلك الركون إلى الكرامات والوقوف مع المقامات كلها أهوية تمنع مما هو أعلى منها، من مقام العيان، فلا يزال المريد يُجاهد نفسه، ويرحلها عن هذه الحظوظ، حتى تتمحّض محبتها في الحق تعالى، فلا يشتهي إلا شهود ذاته الأقدس، أو ما يقضيه عليه، فإذا ظهر بهذا المقام لم يبقى له مجاهدة ولا رياضة...»([1]).

كشف قول أحمد بن محمد بن عجيبة عن عددٍ من الإشكالات العقدية والسلوكية التي تتعارض مع أصول أهل السنة والجماعة في باب التزكية والسلوك، من خلال تقليله من شأن الطاعات الظاهرة وأعمال القلوب الشرعية، وأنها من السموم القاتلة التي تمنع من الترقي إلى حلاوة الشهود ولذة المعرفة، ثم تقريره أن الوقوف مع المقامات والكرامات يعدّ من الأهوية، وأن السالك إذا وصل إلى هذا المقام لم يبق له مجاهدة ولا رياضة، هذه المضامين تمثل انحرافًا واضحًا عن المنهج السني الذي يجعل العبودية القائمة على الطاعة والمجاهدة أصلَ السير إلى الله تعالى وغاية السلوك الإيماني، لا عقبةً تحول دون المعرفة أو القرب، فنص ابن عجيبة يوحي بوجود مرتبة باطنية تتجاوز مقتضيات التعبد الشرعي، وتنتقل بالسالك من مقام الامتثال إلى مقام الشهود الذي تصبح معه المجاهدة والرياضة غير لازمة، وهو تصور يفتح الباب لإسقاط التكاليف أو التقليل من شأنها، ولو بطريق غير مباشر.

 ومن المقرر عند أهل السنة أن لذة الطاعة من أعظم نعم الله على عبده؛ بل هي ثمرة الإيمان الصحيحة، وقد قال النبي : «ثلاثٌ من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان...»([2])، فجعل حلاوة الإيمان والطاعة علامة كمالٍ لا سمًّا قاتلًا، مما يعد قلبًا للموازين الشرعية وإيهامًا بأن التلذذ بالعبادة نقصٌ في السير إلى الله، مع أن الوحي جاء بمدح أهل الخشوع والإنابة والأنس بالطاعة، كما أن التفريق الذي يقرره ابن عجيبة بين الطاعة والشهود يوحي بتعارض بين الشريعة والحقيقة، بينما يؤكد أهل السنة أن المعرفة الحقة بالله لا تنفصل عن امتثال أوامره، وأن أكمل الخلق معرفة بالله هم أكملهم عبوديةً له، وفي مقدمتهم الأنبياء عليهم السلام، الذين لم تسقط عنهم المجاهدة ولا العبادة مع علو مقامهم، كذلك فإن قول ابن عجيبة: «إذا ظهر بهذا المقام لم يبق له مجاهدة ولا رياضة» يتعارض مع أصلٍ قرآني محكم، وهو دوام التكليف واستمرار العبودية إلى الموت، كما قال تعالى: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ [الحجر: 99]، ولذلك كان السلف يعدّون كل دعوى تفضي إلى سقوط المجاهدة أو الاستغناء عن العمل من تلبيس أهل الانحراف، كما يُلاحظ أن النص يضخم جانب الشهود والذوق الباطني على حساب الاتباع والانقياد، وهو مسلك أدى عند كثير من المتصوفة إلى الغلو في الأحوال والمواجيد حتى أصبحت معيارًا للحقيقة الدينية بدل النص الشرعي، ومن هنا فإن هذا الكلام لا ينسجم مع منهج التزكية السني، الذي يجمع بين العلم والعمل، والظاهر والباطن، والشريعة والحقيقة، باعتبارها أساسَ القرب من الله، لا حجابًا يمنع من معرفته.

وقد توسّع عددٌ من منظّري التصوف المعاصر في تقرير ما يُعرف بمقامات الخاصة، وتنوّعت مصطلحاتهم فعبّر بعضهم عنها بمقام الاستغراق، وآخرون بمقام الفناء ووحدة الوجود، بينما عبّر بعضهم بمقام المعرفة، وعلى الرغم من اختلاف هذه التسميات وتباين الدلالات الاصطلاحية المرتبطة بها، فإنها تلتقي عند معنى جامع يتمثّل في فناء إرادة السالك وأفعاله في شهود أفعال الله تعالى وهيمنتها المطلقة، فمثلا يقول أحدهم: «ثم إن من وصل إلى هذا المقام ذاب مراده في مراد الله، ولا تصبح فيه بقية من آثار بشريته، فيستغرق بمحض هذا التدرج في لجج السعود بأطراف القضاء والقدر، ويتمتع بالشر تمتعه بالخير، ويتلذذ بالمصائب والفتن تلذذه بالبشائر والمنن؛ لأنه قد أصبح لا يرى الآثار، ولكن يرى الآثار والأسرار، ولا يعرف الأثر؛ بل يعرف المؤثر، والمؤثر محبوب جميل لطيف رحيم كريم، ففي آثاره الكرم والرحمة واللطف، فهي محبوبة مهما بلغت من الشدة، جميلة مهما بلغت من القبح في عيون الناس، فالخير لا يأتي إلا بالخير»([3]).

هذا نموذج واضح للنزعة الصوفية الغالية التي تجاوزت حدود الزهد والتعبد المشروع إلى تصورات عقدية وسلوكية منحرفة تحتاج إلى نقد علمي دقيق؛ لأن أهل السنة والجماعة يقررون أن العبد وإن كان مأمورًا بتحقيق كمال العبودية والانقياد لله تعالى، فإن له إرادة حقيقية ومشيئة معتبرة شرعًا؛ لكنها واقعة تحت مشيئة الله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ [التكوير: 29]، ثم إن التعبير عن ذوبان الإرادة يلغي التمييز بين الخالق والمخلوق، وهو معنى مرفوض عند أهل السنة، كما أن النص وقع في خلط ظاهر بين الرضا بالقضاء الكوني وبين محبة المقضي نفسه؛ فالله سبحانه قد يقدّر الشر كونًا لحكمة عظيمة؛ لكنه لا يحبه شرعًا ولا يرضاه لعباده، ولذلك فرّق أهل السنة بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، فالكفر والمعاصي والظلم والفتن كلها واقعة بقضاء الله وقدره؛ لكنها ليست محبوبة لله ولا مأمورًا بها، وقد قال تعالى: ﴿وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد﴾ [البقرة: 205]، ومن هنا فإن قوله إن السالك «يتمتع بالشر تمتعه بالخير» يتضمن مخالفة صريحة للمنهج الشرعي الذي يأمر بكراهية الشر والاستعاذة من الفتن ودفع البلاء، وقد كان النبي يسأل الله العفو والعافية ويستعيذ من الفتن والمصائب، ولم يكن يتلذذ بها أو يطلبها، كذلك فإن النص يخلط بين الصبر المشروع على البلاء، وبين استحسان الألم ذاته والتلذذ بالمصيبة، وأهل السنة يقررون أن المشروع هو الصبر والرضا بالقدر والتسليم لحكمته، لا محبة الألم نفسه أو اعتبار الشر جميلًا في ذاته، كما أن قوله إن السالك: «لا يرى الآثار ولكن يرى الأسرار» من العبارات الصوفية المجملة التي استُعملت تاريخيًا لتجاوز الأحكام الظاهرة بدعوى شهود الحقيقة الباطنة، وهو مسلك خطير يفضي إلى تعطيل الأمر والنهي وإضعاف سلطان الشريعة، بينما يقوم منهج أهل السنة على الجمع بين الحقيقة والشريعة، وبين الباطن والظاهر، فلا حقيقة صحيحة تخالف النصوص الشرعية، وقد أجمع العلماء والأولياء أن كل حقيقة لا توافق الشريعة فهي زندقة([4])، ويزداد الإشكال حين يقرر أن آثار القضاء: «محبوبة مهما بلغت من الشدة، جميلة مهما بلغت من القبح»؛ لأن هذا الإطلاق يؤدي إلى تمييع الفوارق الأخلاقية التي قررتها الشريعة، فالقرآن وصف أشياء كثيرة بالقبح والفساد والخبث والفحشاء، ولم يجعلها جميلة من حيث هي أفعال أو صفات، وإنما قد تكون داخلة في الحكمة الإلهية من جهة التقدير الكوني، والفرق كبير بين القول بأن الله يخلق بعض الشرور لحكمة، وبين القول إن الشر جميل محبوب لذاته، ومن هنا يظهر أن النص متأثر بنزعات الفناء ووحدة الشهود التي تؤدي غالبًا إلى سقوط التمييز بين الخير والشر والحسن والقبيح بسبب الاستغراق الوجداني، وهو ما حذر منه علماء أهل السنة لما يفضي إليه من اضطراب في باب العبودية والتكليف.



نسخة PDF من المادة

من باب شبهات تحت المجهر

نفي وقوع الشرك في الأمة الإسلامية في الفكر الصوفي: دراسة نقدية في ضوء النصوص الشرعية
شبهات تحت المجهر

نفي وقوع الشرك في الأمة الإسلامية في الفكر الصوفي: دراسة نقدية في ضوء النصوص الشرعية

يتناول هذا المقال بالنقد والتحليل مقولة نفي وقوع الشرك في الأمة الإسلامية كما تتبناها بعض الاتجاهات الصوفية المعاصرة، حيث تقوم هذه الدعوى على أن جميع المنتسبين إلى الإسلام داخلون في دائرة التوحيد، وأنه لا يمكن أن يقع…

د. محمد بن متعب البشري8 دقائقالعدد 6
البنية الاستدلالية في آية سبأ وأثرها في إبطال الإشكالات العقدية
شبهات تحت المجهر

البنية الاستدلالية في آية سبأ وأثرها في إبطال الإشكالات العقدية

تُعَدُّ مسألةُ الشِّرك من القضايا العقدية المركزية التي عالجها القرآن الكريم بمنهجٍ استدلاليٍّ مُحكَم، قائمٍ على تفكيك الأسس العقلية التي ينطلق منها المشرك في تعلُّقه بغير الله تعالى؛ ذلك أنَّ المشرك لا يتخذ معبوده من…

د. محمد بن متعب البشري4 دقائقالعدد 5
المحبة المشروعة والاعتقاد الممنوع في الصالحين: تأصيل شرعي
شبهات تحت المجهر

المحبة المشروعة والاعتقاد الممنوع في الصالحين: تأصيل شرعي

يتناول هذا المقال قضية المحبة الشرعية والاعتقاد غير المشروع في الصالحين، مع التركيز على المنهج الصحيح في التعامل مع محبة الصالحين واتباعهم، حيث يوضح المبحث الفرق بين المحبة الشرعية التي أذن بها الشرع، وهي محبة الصالحين…

د. محمد بن متعب البشري9 دقائقالعدد 4

أعجبك هذا المستوى من التحرير؟

اشترك ليصلك كل عدد فور صدوره — إشعار واحد شهريًا.