مما هو متفق عليه بين أمة الإسلام علو مرتبة الإحسان، وذلك بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل عليه السلام، في حديث الإسلام الطويل المتفق عليه والذي بيّن فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" ثم صدّقه جبريل عليه السلام.
ومن هنا فإن العلماء أولوا موضوع الإحسان عناية كبيرة بتوضيح حقيقته وأنواعه والوسائل المعينة عليه، وبينوا أنه يشمل مجالات الحياة كلها، فهو يتناول علاقة المسلم بربه فيخلص له العبادة والطاعة والحب والولاء، ويشمل علاقة المسلم بنفسه فيحثها على عبادة الله وطاعته وينهاها عن معصيته، ويتقيه بتزكية نفسه حتى يفلح، ويتناول الإحسان علاقة المسلم بغيره من الناس فيحسن إليهم ويحافظ على حقوقهم ويخالقهم بخلق حسن ويوصل الخير المادي والمعنوي لهم، ويمتد هذا الإحسان ليشمل الحيوان والجماد، فيحسن الذبحة ويرفق بالحيوانات، ويحافظ على الممتلكات العامة من طريق أو بناء.
ولذلك فالمسلم الحقيقي هو من يحقق الإحسان في حياته حقًا بحسن الطاعة والعبادة لله عز وجل، وتقوم أفعاله وأخلاقه مع الناس على أداء الحقوق وتجنب الظلم والتقصير وهذا طريق الولاية الحقيقي، ولكن إذا تأملنا في كثير مما يجري من حولنا نرى بونًا شاسعًا بين رفع شعارات الإحسان وبين الأفعال والأقوال مع الأسف الشديد.
فالله عز وجل يأمر الناس "ادعوني أستجب لكم" (غافر: 60)، ثم نجد ربما ملايين الناس تدعو غير الله عز وجل في الموالد والأضرحة!
والنبي صلى الله عليه وسلم علّمنا كيف نأتي للصلاة لذكر الله عز وجل، فعن أبي قتادة الحارث بن ربعي قال: "بينَما نَحنُ نُصَلِّي مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذ سَمِعَ جَلَبةَ رِجالٍ، فلَمَّا صَلَّى قال: ما شَأنُكُم؟ قالوا: استَعجَلنا إلى الصَّلاةِ؟ قال: فلا تَفعَلوا، إذا أتَيتُمُ الصَّلاةَ فعلَيكُم بالسَّكينةِ، فما أدرَكتُم فصَلُّوا وما فاتَكُم فأتِمُّوا"، رواه البخاري.
فقارن هذا الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم بالسكينة والهدوء في المشي للصلاة في المسجد، وبين ما يفعله كثير من الناس في المساجد من الجلبة والصراخ والحركة الدائبة بل والقفز واللف والدوران والرقص بدعوى ذكر الله عز وجل!
أما بخصوص الإحسان للنفس فالله عز وجل يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "وثيابك فطهر" (المدثر: 4) ليكون قدوة للمؤمنين، ثم نجد من يدّعي أن طريق التزكية يكون بالعيش في المزابل وأن يبول الناس عليه!
والله عز وجل يدلنا على الطريق الواجب اتباعه فقال مخاطبًا نبيه عليه الصلاة والسلام: "فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات" (محمد: 19)، وكان بداية الوحي الرباني "اقرأ" (العلق: 1)، ولكن المنحرفين عن أمر الله ورسوله جعلوا العلم والكتب والقراءة عورة يجب سترها! ومجّدوا الجهل وجعلوه كرامة للأولياء! وزعموا أنهم يتلقون العلم بالإلهام بدلاً من أنوار الوحي الرباني الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وعلّمه لأصحابه الذين علّموه للتابعين ومن بعدهم للأئمة والعلماء، لكنهم فضلوا على القرآن والسنة المنامات والإلهامات الشيطانية!
وأخيرا؛ على صعيد الإحسان للناس والمؤمنين، فللأسف نجد هؤلاء الأشقياء يقفون في صف الظالمين عبر الزمان، فقد كانوا مع التتار والمغول ضد المسلمين وهم يذبحون، وكانوا عونًا للمحتل والمستعمر، وتاريخ الجزائر شاهد على ذلك، واليوم نجد من هؤلاء الدجالين من يزورون ويمدحون قادة الصهاينة وهم يذبحون أهلنا في غزة.
إن الإحسان لا يكون إلا بإخلاص العبادة لله عز وجل، وبعلم صحيح مستقى من الكتاب والسنة على يد العلماء الربانيين، وبنصرة للحق وحسن تعامل مع الخلق وولاء للمؤمنين وبراءة من الكفار والمعتدين، جعلنا الله الكريم من أوليائه المحسنين.



