بين الصوفية الأوائل والمتصوفة المتأخرين - خاصة أهل الوحدة والحلول والاتحاد - مسافات اختلاف كبيرة، وكان سيد الطائفة الجنيد مصادما لبعض هذه المسالك الحلولية في شخص أحد أقطاب الحلول والاتحاد، الحسين بن منصور الحلاج، وكان حظ الاستشراق الفرنسي من خدمة "التراث الحلاجي" وافرا جدا، بدءًا بلويس ماسينيون، ولا يعلم متى ينتهي ذلك بعده، لكن الذي ينبغي أن يعرفه الباحثون المسلمون أن هذا الامتداد لم ولن يقتصر على "الاستشراق الأصيل"، فقد رأينا من يحسب علينا من بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا يفكرون بعقول المستشرقين الفرنسيين والأمريكيين داخل الجامعات العربية وفي المحاضرات والندوات والمجلات والمؤلفات باللغة العربية، ومن لويس ماسينيون إلى سعاد الحكيم في مراجعتها لنشرة ديوان الحلاج التي أنجزها عبده وازن، والتي قالت في الحلاج: «وتتطاير شظايا وجدان الحلاج [309هـ] من العشق على الخاصة والعامة معا»)[1](، يمكن للباحث المسلم التعرف على مقاصد الاستشراق وامتداداته، خاصة محاولاته "إسقاط الجنيد" من سجل الإمامة الصوفية، وتعويضه بأمثال الحلاج وابن العربي الحاتمي، وقد تولت سعاد حكيم مهمة جمع تراث الجنيد في كتاب سمته "تاج العارفين، الجنيد البغدادي"، وقالت: «لقد جمعنا أكثر من ستمائة قول للجنيد، كانت مروية على شكل مبعثر في كتب الطبقات والتراجم وأمهات المصادر الصوفية، وهذه الأقوال مكنتنا من إعادة تركيب شخص الجنيد وحياته وأفكاره»)[2](، وكان ينقصها شيء واحد، وهو التحقق من صحة نسبة كل ذلك إليه، لكنها لم تفعل، فخلطت الصحيح النسبة بالمشكوك فيه، بل بما يجزم بعدم صحة نسبته إليه، فكانت الشخصية التي ركبتها شخصية مشوهة بعيدة عن حقيقة شخص الجنيد وتصوفه.
كانت سعاد الحكيم مسترسلة في إيراد الروايات واعتمادها وهي تحاول عرض تصوف الجنيد، لكنها حينما وصلت إلى عرض علاقة الجنيد بالحلاج أمسكت عن الاسترسال وقالت: «تكثر المرويات عن علاقة الحلاج بالجنيد، ويروي البعض أساطير ضمنها أقوالا للجنيد تعليقا على مأساة الحلاج وهذا القتل العنيف الذي وقع عليه، لذلك نترك جانبا كافة الروايات لنقول فقط: إن الحلاج جاء إلى الجنيد طالبا صحبته، ولكن الجنيد تحرج عن قبول هذه الصحبة نظرا للتاريخ المنظور للحلاج مع أساتذته السابقين»([3])، ثم أحالت في الهامش إلى كشف المحجوب للهجويري!
هي إذن "روايات كثيرة"، لكنها وصفتها بـ"الأساطير"، فلماذا غيرت سعاد طريقة "البسط" في إيراد واعتماد الروايات إلى طريقة "القبض" والإعراض عنها حينما تعلق الأمر بالحلاج؟ ولعل الجواب كامن في أن سعاد الحكيم من خريجات السوربون، وتتلمذت على المنهج التحليلي لبول نويا(Paul Nwyia) ، الذي يعد امتدادا لمدرسة لويس ماسينيون الفرنسية، فما الذي يعنيه هذا؟
كتب لويس ماسينيون بالمشاركة مع مصطفى عبد الرازق رسالة في التصوف، عرض فيها ماسينيون الخطوط العريضة للتراث الصوفي اصطلاحا وتاريخا وفكرا، وذكر أسماء كثيرة لصوفية ومتصوفة في مقام بيان مراحل التأسيس والتطور، والمضامين الكبرى للتصوف وظهور المدارس الأساس، لكنه لم يذكر الجنيد إلا مرة واحدة، حين عرض أصل سند الصوفية، مع أن جل المتصوفة يدعون الانتساب إليه وإلى "سلوكه"؟ ولعل ما يعيننا على تركيب جواب مناسب أن نراجع ما عرضه لويس ماسينيون في كتابه "آلام الحلاج" عن علاقة الجنيد بـالحلاج.
يريد الاستشراق اليوم بامتداداته المختلفة أن يُهجر "السلوك الجنيدي" وينشر "السلوك الوحدوي والحلولي" بالترويج والدعاية للفكر الوحدوي لابن العربي الحاتمي، والفكر الحلولي الاتحادي الحلاجي، وهذا يحتاج إلى عملية "مسح" ممنهجة -كما يقال - لكل أثر جنيدي في بساط التصوف المعروض على المسلمين، وصبغه بأصباغ وحدة الوجود والحلول والاتحاد والتصوف الفلسفي لغايات ومقاصد سياسية وفكرية واجتماعية، ومن أحسن الأمثلة بيانا لهذا ما فعله لويس ماسينيون في "آلام الحلاج".
يعرض طه عبد الباقي في كتابه "الحسين بن منصور الحلاج شهيد التصوف الإسلامي" "الحلاج" في صورة الصوفي الصادق في صوفيته، الثائر المتمرد على أدعيائه، وممن اختاره ليكونوا في "مواجهة" معه، أبو القاسم الجنيد رحمه الله، فقد تلقف طه عبد الباقي الروايات التي تحكي "التواصل" بينهما، وركَّب عليهما صورة التدافع بل التناقض، وعرض الحلاج في هيئة الأستاذ الأعلم، في مقابل الجنيد الدعي الذي لم يستطع أن يفي بحق التصوف، من ذلك قصة دخول الحلاج على الجنيد وهو يخطب، وقوله له: «يا أبا القاسم، إن الله لا يرضى من العالم بالعلم حتى يراه في العلم، فإن كنت في العلم فالزم مكانك، وإلا فانزل، فنزل الجنيد، ولم يتكلم على الناس شهرا»([4])، واضح أن المراد بهذه المسرحية الخيالية أن يصور الجنيد في حالة ذل وانكسار أمام عزة النقد الحلاجي، بل استعمل طه عبد الباقي عبارة وقحة معلقا على هذه الخرافة فقال: «يقول الحلاج في عزة الواثق في نفسه: من تكلَّم عن غير معناه، فقد تحمر في دعواه، ثم تلا قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة:5]»([5])، فقد تجاوز طه عبد الباقي الأدب مع سيد الطائفة الجنيد وذهب مذهبا خبيثا.
لماذا هذا الحط على أبي القاسم الجنيد؟ لماذا يصر هؤلاء على "إسقاط هيبة الجنيد من النفوس"؟ والجواب عن هذا يكشف عن سر الأمر وأسِّه، لماذا يريدون إزاحة الجنيد ليمر ابن عربي والحلاج؟ لماذا يريدون كسر "تاج العارفين" و"إنزاله من عرش سيادته على الطائفة الصوفية" كما في رمزية نزول الجنيد من منبره بعد نقد الحلاج له وإهانته؟
ثَمَّة نصٌّ مهم جدا يكشف الغطاء ويصف الداء، وهو في "أخبار الحلاج" ولفظه: «قال أحمد بن يونس: كنا في ضيافةٍ ببغداد، فأطال الجنيد اللسان في الحلاج، ونسبه إلى السحر والشعبذة والنيرنج، وكان مجلسا خاصا غاصّا بالمشايخ، فلم يتكلم أحد احتراما للجنيد»([6])، والنص مليء متضلع بالمعاني، وهو من النصوص الشاهدة على علم الجنيد وفقهه، وفطنته لما يُدَسُّ في التصوف، ولتسلل المتسللين من غيره إليه، فقد كان الجنيد ناقدا شديدا على أهل الحلول والوحدة من الباطنية المتسترين، وشهد فيه ماسينيون بقوله: «إذا كان الجنيد قد أصبح كبير الصوفيين الإسلاميين قرونا عديدة، فإن ذلك يعود قبل كل شيء لكونه ناقدا ومنظرا فطنا للتصوف الإسلامي»([7]).
كان الجنيد يرى في الحلاج خطرا ينبغي التحذير منه وكشف حقيقته، فكان يبذل وسعه في ذلك في مجالسه الخاصة حيث يجتمع إليه نخبة المشايخ، وهو المقدم فيهم، ولم يكن سكوتهم احتراما له فقط، بل إيمانا بما يقوله، وتصديقا له فيما يمليه، وهذا ما أثار الحلاج وأمثاله عليه وعلى مدرسته، فكان لا بد من إسقاطه.
يصف طه عبد الباقي حالة الحلاج بوصف فاخر فيقول: «لقد حمل الحلاج أمانة الرسالة الصوفية كاملة، ولم يستطع ذلك غيره»([8])، أي أن "الجنيد" كان خائنا لأمانة الرسالة الصوفية! ويصف طه عبد الباقي هذا التصادم بين مدرسة الجنيد ومدرسة التصوف الباطني فيقول: «يكثر تحدي الحلاج للجنيد، خاصة إنه سيد الطائفة، وفي يده القيادة والزعامة، فيوجه إليه يوما سؤالا متعمدا عن قيمة الإلهام الباطني، بوصف قاعدة من قواعد التقوى والعبادة، ويرفض الجنيد الإجابة، ويكرر الحلاج السؤال، فيسميه الجنيد برجل المطامع، ويضحك الحلاج ساخرا، وابتدأ الصراع بين الرجلين العظيمين، ورددت محافل بغداد ومساجدها صدى هذا الصراع العنيف، وابتدأ الجنيد يهاجم الحلاج جهرة، في غضب، وفي تطرف، ويرميه بالسحر والشعوذة»([9])، فقد كان إذن "صراعا عنيفا"، وتحديا من أهل الحلول لسيد الطائفة، ولا يزال.
لعل أكبر المتخصصين في الحلاج هو المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون الذي اشتغل بالحلاج وسيرته وتصوفه وفكره نحو أربعين سنة، إلى درجة أن صار يُجِلُّه إجلالا كبيرا، إلى درجة أن دعا إلى إقامة قُدَّاسٍ على روحه في بعض الأديرة، وعلل ذلك بأن تصوف الحلاج يتجاوز الانتماء الديني إلى الانتماء الإنساني، وهو ما جعل شارح ديوان الحلاج الدكتور كامل الشيبي يهدي إليه الشرح ويقول: «ماسينيون الذي انتقل إلى عالم الأرواح فالتقى بصديق الأبد الحسين بن منصور الحلاج»([10]).
كان لويس ماسينيون أكثر ذكاء حينما سلك طريقة مختلفة لإسقاط الجنيد سيد الطائفة، فإنه -عوضَ إسقاط الشخصية- حاول إسقاط محتواها، وإبدال المحتوى المناقض للمحتوى الحلاجي بمحتوى موافق، وإيهام القارئ بأن ما كان عليه الجنيد هو نفسه ما كان عليه الحلاج، بل إن الحلاج كان ولا يزال استمرارية للمدرسة الجنيدية، وأنه "قَوَّمَ" بعض فرضيات ونظريات الجنيد في التصوف، فالحلاجية عنده - أو كما يريد أن يتوهم الناس - تطوير وتجديد للجنيدية، فلا تعارض([11])، وهذه الطريقة أخبث وأقذر.
حاول ماسينيون التشكيك في كل رواية تبث التنافر بينهما([12])، وروّج لكل ما يدل على توافقهما جملة، فاجتمع على إسقاط سيادة الجنيد وإمامته جهتان، جهة قصدت الإسقاط بالطعن المباشر، والثانية اختارت "التدليس" والتزوير.
لا يزال المكر الاستشراقى يتكلف التسلل بكل الأدوات الممكنة، والامتداد العربي أحد تلك الأدوات الخطيرة، فهؤلاء الباحثون المتخرجون من الجامعات الغربية، المتشربون للمناهج الاستشراقية بنفَس علماني يتصدرون اليوم المشهد الأكاديمي، ويقطرون سم الاستشراق في كؤوس الإلقاء الجامعي في الكليات العربية والإسلامية، فوجب التنبه لهذا المكر الذي لا يحيق إلا بأهله، والحمد لله على كل حال.



