مدارك — الصفحة الرئيسيةمجلة شهرية علمية
في بيان حقيقة الصوفية
إحصائيات وتحليلات

الطريقة الكركرية.. المرقعة التي تفتح لها الأبواب في الشرق والغرب!

أسامة الهتيمي 13 دقيقة قراءةذو الحجة 1447 هـمايو 2026 م 21
الطريقة الكركرية.. المرقعة التي تفتح لها الأبواب في الشرق والغرب!

ربما من المتعارف عليه أن الطريقة الكركرية هي طريقة صوفية حديثة النشأة تعود إلى جبل كركر بمدينة العروي بإقليم الناطوز شمال المملكة المغربية، غير أن ذلك ليس محل اتفاق بين جميع الباحثين، فبعض الأكاديميين الجزائريين يشير إلى أن أصل الطريقة يعود للجزائر وأنّها هي من صدّرت الطريقة إلى المغرب إذ أن مؤسس الطريقة المغربي تتلمذ بالأساس على يد أحمد بن مصطفى العلاوي المستغانمي بالجزائر(1) .

لكن وعلى أية حال فإنه وبحسب الموقع الإلكتروني للطريقة(2) فضلا عن العديد من المصادر الأخرى فإن من أسس الطريقة التي تتصل بالتصوف الشاذلي – العلوي - الدرقاوي هو الشيخ طاهر الكركري عام 1976م ثم خلفه الحسن الكركري الذي مات عام 2006م ليتولى مشيختها ابن أخيه محمد فوزي الكركري عام 2007م وهو في الثالثة والثلاثين من عمره إذ هو من مواليد عام 1974م غير أنه استطاع وفي سنوات قليلة أن يقفز بالطريقة قفزة كبيرة لم تحققها طيلة نحو ثلاثين عاما سابقة على توليه للمشيخة.

وعلى الرغم من أن فوزي الكركري لم يكمل دراسته الجامعية(3) حيث اكتفى بتعليمه الثانوي في مدينة تازة إلا أن استطاع أن يقنع الأتباع بأنه بعد مدة يسيرة من خروجه من المدرسة وهجرانه للأهل وللأصحاب خرج سائحا في أرض المغرب لنحو عشر سنوات كانت فترة كافية للتجريد(4) ومن ثم العودة للقيام بالدور المنوط به لقيادة الطريقة.

عدد الأتباع

أشارت العديد من التقارير الصحفية إلى أنهم يبلغون نحو نصف مليون مريد في العالم(5) يتواجد أغلبهم بطبيعة الحال في المغرب التي منحتهم ترخيصا قانونيا كجمعية عام 2010 م غير أننا وبعد مطالعة للموقع الإلكتروني الخاص بالطريقة تبين أن ما استندت إليه هذه التقارير الصحفية هي إحصائيات قديمة حيث قدّرتهم الطريقة في إحصاء جديد بنحو 2.5 مليون وأطلقت عليهم وصف فقراء الزاوية في إشارة للمريدين والأتباع(6).

فيما يتوزع البقية على دول شمال إفريقيا وقلبها فضلا عن بعض البلدان الأوروبية كفرنسا، ففي مصر مثلا وبحسب محمد الكركري ممثلها هناك في تصريح له عام 2022م إن عدد مريدي الطريقة وصل إلى 10 آلاف مريد أو أكثر(7) وهو ما يعني أن العدد ربما زاد عن ذلك خلال الأربع سنوات الفائتة.

لكن في مقابل ذلك فإن تقديرات أخرى ترى أن هذه الأعداد مبالغ فيها، إذ ومن خلال حسابه على "الفيس بوك" أكد المؤرخ الجزائري المتخصص في التصوف الدكتور محمد بن بريكة عام 2017م أن عدد مريدي هذه الطريقة في العالم لا يتجاوز 2000 شخص في حين لا يتجاوز عددهم في الجزائر 75 شخصا(8).

وأمام هذا التهوين وذلك التهويل من ناحية عدد أتباع الطريقة فإنه يجدر بنا أن نشير إلى أنه لا توجد إحصاءات رسمية دقيقة يمكن اعتمادها بهذا الشأن وإن كانت كل الدلائل والمؤشرات الإعلامية والتنظيمية توحي بأن عدد أتباعها الفعليين يتراوح بين الآلاف وعشرات الآلاف وهو ما يتبدى بوضوح من خلال الأفرع والزوايا الخاصة بالطريقة(9).

ولعل ما أحدث اللغط هو الخلط بين الأتباع والمريدين، وبين المتعاطفين في التجمعات والفاعليات التي تقوم بها الطريقة بالإضافة إلى أن الطريقة تمتلك قدرات فائقة في نشر محتواها على وسائل التواصل الاجتماعي(10) من خلال التداول الواسع لهذا المحتوى، حيث استثمرت الصورة الرقمية بكثافة واعتمدت على الفيديوهات القصيرة وخاطبت الجمهور العالمي لا المحلي فقط، الأمر الذي منحها انتشارا يفوق حجمها الحقيقي أحيانا.

أسباب الانتشار

ثمة تساؤل يلح على الكثيرين من المهتمين بالطرق الصوفية حول الأسباب التي ساهمت في هذا الانتشار للطريقة الكركرية خلال سنوات قليلة من نشأتها ما جعلها مثار جدل ونقاش بين المتخصصين؟  

والحقيقة أنه ليس صعبا الإجابة عن هذا التساؤل، إذ فضلا عما أشرنا إله سلفا بشأن قدرة الطريقة الفائقة على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت فإن ثمة عوامل أخرى عملت على هذا الانتشار يبرز منها الهوية البصرية المختلفة للطريقة حيث استخدامها لما تطلق عليه "المرقعة" وهي أثواب ذات ألوان متعددة ساهمت في صناعة هوية بصرية مميزة للطريقة جعلتها قابلة للانتشار السريع عبر الصور والفيديوهات بعد أن تحولت ملابس المريدين إلى مادة متداولة بكثافة على منصات التواصل(11).

والمرقعة ليست محصورة على الرجال فحسب بل يرتديه النساء والأطفال أيضا وهو بالطبع ما يثير لغطا كبيرا.

كذلك نجحت الطريقة ومن خلال طرح يتجاوز الخطابات الدينية التقليدية أو السياسية في اجتذاب الشباب فقدمت نفسها باعتبارها طريقًا روحانيًا غير صدامي سياسيا وقائما على الذكر والحضرة والبحث عن السلام الداخلي(12).

ولا يمكننا أن نتجاهل أن الجدل الإعلامي نفسه ساعد في انتشار الطريقة، فالهجوم عليها والسخرية منها ومن طريقتها وأزيائها كان له دور في تحقيق هذا الانتشار فكلما أثير الجدل حول المرقعة أو الحضرات أو الولي الحي(13) زاد الفضول الجماهيري لمعرفة الطريقة وهو ما حدث في الجزائر وتونس ومصر.

كما يعتقد بعض الباحثين أن الطريقة تمارس الانتشار بالصدمة حيث فهم أتباع الطريقة اللعبة وسذاجة بعض وسائل الإعلام وصاروا يتعمدون الخروج العلني والترويج لمظاهر غريبة سعيا للعودة الى الساحة من جديد ومن ذلك الخروج الى الشوارع والشواطئ بهندامهم الغريب لإدراكهم أن مدخل الخرافة والتخلف وخالف تُعرف أصبح السبيل الأسرع للشهرة والمال.

كذلك تعد الزيارات التي يقوم بها شيخ الطريقة محمد فوزي الكركري إلى بعض الدول أحد العوامل المهمة لتحقيق هذا الانتشار، وهو ما حدث في تونس حيث بدأ التواجد الملحوظ للطريقة بعد زيارة الكركري لها عام 2012 وهو نفس ما حدث في مصر حيث زارها الرجل عام 2019م.

أهم الأفكار

تعرّف الطريقة الكركرية نفسها بأنها: "طريقة تربوية تهدف إلى إيصال العباد إلى تحقيق مقام الإحسان حتى يتمكنوا من الجمع بين العبادة والشهود وبين السلوك والمعرفة حتى تكون حياتهم كلها لله رب العالمين"(14).

وترتيبا على هذا التعريف فإنها تدعو أتباعها إلى اتّباع منهج الشيخ المربي الذي يصف الدواء المناسب لكل سالك وذلك حتى يمكنهم الالتزام بالكتاب والسنة في كل أحوالهم فالطريقة تؤمن أن وراء كل فعل من أفعال الشريعة المطهرة سر ملكوتي وقبضة نورانية تجمع العبد على مولاه وتنسيه كل ما سواه (15).

وتعتقد الطريقة أن سندها يتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم مرورا بالإمام الشاذلي، مؤكدة أن السند النوراني متصل، فكل من دخل في كنفه حلت عليه بركات العناية والقرب ورؤيت عليه بشارات أهل الاجتباء والسند الذي ينعدم فيه النور يكون منقطعا فيصلح للتبرك دون التحقق (16).

وتزعم الطريقة أن مما يميزها هو ملازمتها للسنة في الأقوال والأفعال والأحوال! وأن المريد فيها يفتح الله عليه في أقرب مدة وأسرع وقت وأنها مبنية على التيسير فيما أن الترقي فيها لا نهاية له كما أنها طريقة تجمع جميع مدارس التصوف ومشاربه ففيها تصوف الفقيه والعابد والمنطقي والحكيم والطبيعي (17).

تركز الطريقة على ما يسمى بالتوحيد الشهودي ومشاهدة النور الإلهي وتزكية النفس والفناء مع البقاء فيما تقوم الطريقة على سبعة أصول رئيسة هي: العهد (مبايعة الشيخ) وذكر الاسم الأعظم والخلوة والسبحة وارتداء المرقعة والسياحة والحضرة.

ومما ميز الطريقة عن أغلب الطرق الصوفية الحديثة مفهوم "الولي الحي" الذي يدلل على أن شيخ الطريقة الحالي يُنظر إليه باعتباره "الولي الحي" أو "القطب" وأنه ليس مجرد مرشد علمي أو شيخ تربية تقليدي بل صاحب "مدد روحي" متصل بسلسلة الأولياء في التصوف وأن العلاقة معه ليست فقط تعليمية بل روحية/ باطنية مباشرة حسب تصورهم.

ومن المعلوم وفق التصور الطرقي أن هناك في كل عصر ولي أعلى مقامًا يدبّر الشأن الروحي للعالم بإذن الله ويُسمى أحيانًا القطب أو الغوث أو الإنسان الكامل، لكن الطريقة الكركرية طورت هذا المفهوم بشكل أكثر ارتباطًا بالشيخ الحاضر نفسه وجعلت "الولي الحي" محور الانتماء الروحي المباشر.

الأتباع والتأثير

على الرغم من أن الطريقة الكركرية تعتمد على التجربة الروحية والشهود القلبي أكثر من الاعتماد على التفكير العقلاني والعلمي كونها تعتقد أن العقل محدود في قدرته على الوصول إلى المعرفة الحقيقية بالله(18) إلا أنها نجحت في جذب قطاعات من النخبة المتعلمة والمثقفة كالأطباء والمهندسين والباحثين والجامعيين بل والأكاديميين المرموقين أيضا(19) ومنهم الدكتور يوسف كيزويت الباحث في بيولوجيا السرطان بستانفورد وأستاذ الدراسات القرآنية بجامعة شيكاغو.

وبشأن الطبيعة النخبوية للكثير من الأتباع يعلق أحد الباحثين الأزهريين على صورة تجمع بعضا من أتباع الطريقة في حين ينتمون للنخبة المتعلمة والمثقفة قائلا: "ممكن تلاقي أغلب دول أطباء ومهندسين ومثقفين كما وجدنا أن أتباع التيجاني من المثقفين والأطباء وبعض عِلية القوم، وهنا وقفة مهمة وهو أن هناك فرقاً بين تقدمك العلمي والتقني وبين الهداية، هناك فرق بين ذكائك وعبقريتك وبين التوفيق والسداد! (20)".

وبالطبع فإن تأثير الطريقة الكركرية يختلف من دولة إلى أخرى لكنه — حتى الآن — يمكن وصفه بأنه تأثير رمزي وثقافي وإعلامي أكثر منه تأثيرا جماهيريا أو سياسيا واسعا، خاصة إذا ما قورن بالطرق الصوفية التاريخية الكبرى مثل الطريقة التيجانية أو الشاذلية.

غير أن ذلك لا ينفي أن للطريقة بعض التأثيرات الاجتماعية والثقافية كونها أثارت الجدل والانتقاد بمظهر أتباعها مما عرضهم لسخرية وانتقادات قيما كانت قدرتها على جذب أتباع من مختلف المستويات الثقافية والعلمية انعكاسا للقدرة على توظيف الأنشطة الروحية والخلوة وما يتصور أنه تربية للنفس وتزكيتها.

الأغراض السياسية

ربما تحاول الطريقة الكركرية كغيرها من بقية الطرق الصوفية ومن خلال أطروحاتها التأكيد على أنها بعيدة تمام البعد عن الجوانب السياسية إلا أن هذا لم يمنعها من التعرض لبعض الاتهامات بالتورط في ذلك حيث وجه لها بعض المتتبعين ومن ضمنهم شيوخ زوايا معروفة بالجزائر تهمة خدمة "أجندات أجنبية" والبحث عن البلبلة والفوضى داخل البلاد ومن بينهم الشيخ حسان حساني شيخ الطريقة القادرية في الجزائر وإفريقيا فيما ذهبت جمعية علماء المسلمين بالجزائر إلى المطالبة بوقف نشاط أتباع الطريقة بالبلاد(21).

وكان مما لفت النظر وأثار الجدل حول الدور السياسي وربما الوظيفي للطريقة هو أن شيخ الطريقة ألقى في عام 2023م محاضرة في جامعة شيكاغو حول "التصوف الحي والذكاء الاصطناعي"(22) حيث تساءل العديد عن مدى كفاءة الكركري للتحدث في موضوع معقد كهذا خاصةً أنه لا يحمل أي شهادات علمية رسمية.

يدعم ذلك أنه ليس خافيا عن الكثيرين الموقف الأمريكي الرسمي من الصوفية وطرقها، فمنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر برز داخل بعض دوائر التفكير الأمريكية والغربية توجه يدعو إلى دعم بعض الطرق الصوفية باعتبارها – في نظر تلك الدوائر – تيارات أقل ميلا للتسييس وأكثر قدرة على مواجهة التنظيمات المتشددة فكريا وهو ما برز مثلا في تقرير مؤسسة راند بعنوان: Building Moderate Muslim Networks الذي دعا بوضوح إلى بناء ودعم التيارات الصوفية والتقليدية التي اعتبرها من الشركاء المحتملين في مواجهة التطرف.

رؤية نقدية

بعد الاستعراض السابق لبعض المسائل الخاصة بالطريقة الكركرية والإشارة إلى ما أثارته من جدل واسع ليس في المغرب فحسب بل في الكثير من البلدان العربية والإسلامية بسبب خطابها الروحي أو طقوسها البصرية المميزة إضافة إلى الحضور الإعلامي الكثيف لشيخ الطريقة نحاول تقديم قراءة نقدية شرعية وفكرية للطريقة من خلال تحليل مختصر لأبرز مفاهيمها وممارساتها.

 أولا: "المرقعة" والمعروفة بشكلها اللوني الصارخ ارتبطت أساسا بمرحلة محمد فوزي الكركري أكثر مما ارتبطت بالبدايات الأولى للطريقة وتعد من أكثر الرموز حضورا في الخطاب البصري للكركرية وتعكس وفق تصورهم معاني للزهد وتجاوز الأنا ومجاهدة النفس وقبول الاختلاف، مستدلين على ذلك بما رُوي عن عمر بن الخطاب من ترقيع ثوبه تواضعا وزهدا فيما تربط الطريقة ألوان المرقعة "الأحمر والأخضر والأصفر ..." بما تسميه أنوار الأسماء الإلهية وألوان التجلي (23).

وبالطبع فإن ما قدمته الطريقة كمبررات لارتداء هذه "المرقعة" هي مبررات متهافتة، فهذا الزي الملفت في حد ذاته يتنافى مع معاني الزهد الذي يقوم على التواضع وترك الشهرة فيما أنه ليس ثابتا أن تكلفة المرقعة المادية أقل من تكلفة الثوب العادي وفي الحديث: "من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة" أخرجه أحمد وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي.

كما أن التعلل بـ "المرقعة" قياساً على ترقيع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لثوبه هو تصور جانبه الصواب إذ ثمة فرق جوهري بين حاجة الخليفة عمر للترقيع وبين اتخاذ الترقيع شعارا فالترقيع عند عمر كان للحاجة لا للزينة أو الشهرة أو لأنه تقشف زهدا في الدنيا ولم يكن يملك بدائل فكانت الرقاع لستر العورة واستمرار الانتفاع بالثوب، بينما صوفية زماننا يتقصدون جعل الثوب مرقعاً (وقد يكون جديداً) وهو ما يعتبره العلماء "رياء" و"عجبا" وطلباً للشهرة، حيث يصبح الثوب مظهراً للشهرة والزهد الزائف.

يضاف إلى ذلك أن هناك فرقًا بين "المرقعة" و"الرقعة" فالخليفة عمر كان يرقع ثوبه إذا خرق (رقعة واحدة أو أكثر) بينما الصوفية يلبسون "مرقعة" (لباساً كاملاً ملفقاً من قطع ملونة).

كما أن المرقعة التي يعدونها رمزا للزهد ليست لباسهم العادي فهم يرتدونها في الحضرات والتجمعات العامة والمناسبات الخاصة بالطريقة والزيارات الجماعية والظهور الإعلامي والرقمي أما في الحياة اليومية فكثير من الأتباع — وخصوصًا خارج المغرب — يرتدون الملابس المعتادة كغيرهم بما فيها الملابس العصرية والبدل الرسمية واللباس المدني الطبيعي بل إن بعض الصور المنشورة لقيادات أو أتباع الطريقة تُظهرهم أحيانًا بملابس رسمية أو بدلات غير مرقعة، وهنا نتساءل: إذا كانت "المرقعة" تعبيرا عن  الزهد وترك الدنيا ومجاهدة النفس فلماذا تُبرز غالبا في المناسبات العامة وتغيب في الحياة اليومية؟  ولماذا لا تُرقع الملابس الأخرى كالبدلات والملابس الحديثة إذا كان المقصود مجرد الاقتداء بترقيع الثياب؟

ثانيا: "الولي الحي" وهو من أكثر المفاهيم مركزية في الخطاب الكركري حيث يقدم الشيخ محمد فوزي الكركري باعتباره شيخ التربية ومرشد السالكين وصاحب "الفتح النوراني" والواسطة التربوية للوصول إلى "المشاهدة" وهي الأفكار التي لها حضور في التراث الصوفي التقليدي، غير أن الكركرية منحتها حضورا تنظيميا وروحيا مكثفا كون أن الرجل لم يزل حيا.

وبالطبع فإن مثل هذا الطرح لدى الكثير من العلماء يحمل مظاهر غلو في الشيخ خاصة عندما يربط الوصول إلى "المعرفة" أو "التجلي" بالعهد مع شخص بعينه إذ الولاية في القرآن قائمة على الإيمان والتقوى وليست على الانتماء التنظيمي أو البيعة الخاصة، يقول الله تعالى ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (يونس: 62).

ولعل هذا الغلو هو الذي أشار إليه الإمام ابن تيمية فحذر منه في كتابه "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" ونبّه لخطورة تحويلهم إلى وسائط روحية بين العبد وربه.

 ثالثاً: المشاهدة والتجليات النورانية حيث تتبنى الطريقة خطابا يقوم على ما يسمى بـ "المشاهدة" و"التجلي النوراني" فيقال إن المريد قد يصل – عبر الذكر والعهد والحضرة – إلى مشاهدة الأنوار أو رؤية الأنبياء في بعض الحالات أو بلوغ "المعرفة الشهودية".

والحقيقة أن العلماء يفرّقون بين الكرامات التي قد تقع لبعض الصالحين دون طلب وبين تحويل الكشف والذوق إلى منهج معرفي أو معيار ديني، وقد حذر ابن القيم وابن تيمية من الاعتماد على الوجد والكشف إذا تعارضا مع النص الشرعي.

ويستند البعض في انتقاد هذا المنهج إلى أن جعل "المشاهدة" هدفاً مركزياً قد يفتح الباب للوهم النفسي أو الادعاءات غير المنضبطة أو التوسع في مفاهيم الكشف والتجلي خارج الضوابط الشرعية.

رابعا: الحضرة وهو أصل رئيسي في الممارسة الكركرية، وهي حلقات ذكر جماعي يصاحبها قيام جماعي وإنشاد وتمايل أو اهتزاز منتظم حيث يعتبرها أتباع الطريقة وسيلة للوصول إلى "الذوق" و"المشاهدة".

وبالطبع فإن الانتقاد الموجه لهذا السلوك هو نفس ما يوجه إلى كل الطرق الصوفية تقريبا إذ لم تثبت هذه الهيئة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة رضوان الله عليهم، فالأصل ذكر الله في خشوع وليس ما يُعرف بالرقص الصوفي والاهتزاز الإيقاعي يقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ (الأعراف: 205).

وأما نشر الحضرات على وسائل التواصل الاجتماعي فقد حولها إلى مادة استعراضية ومحتوى بصري جماهيري أكثر من كونها تجربة روحية خاصة.

خامسا: الزهد بين الخطاب والممارسة، فالكركرية تطرح نفسها بوصفها امتدادا للتصوف الزهدي غير أن صور الشيخ محمد فوزي الكركري خلال سفراته المتكررة إلى دول متعددة فضلا عن إقامته في فنادق فخمة تتناقض تماما مع ما تحاول الطريقة تصديره عن فكرها وأتباعها.

سادسا: الاتهام بالشعوذة، إذ شهدت مواقع التواصل الاجتماعي عام 2024م حربا ضروسا بين مجموعة من المنشقين عن الطريقة وبعض أعضاء الطريقة الحاليين، واتهم المنشقون شيخ الطريقة بالدجل والشعوذة والكذب على المريدين ووصْف نفسه بصفات لا يتصف بها سوى أقطاب الصوفية الأوائل وإلحاق الضرر بالمنهج الصوفي وتشويه صورة التصوف الإسلامي السنى وارتداء خرق بالية "ملابس ممزقة" لادعاء الزهد والتقشف (24) .

يضاف إلى ذلك أن بعض الناشطين وصف الكركرية بـ "المهرجين" بسبب اللباس متعدد الألوان وهي أوصاف انتشرت خصوصاً بين فئات شبابية على المنصات الرقمية (25) .



المصادر والإحالات

  1. https://n9.cl/hjqhb
  2. https://ar.karkariya.com/
  3. https://www.almasryalyoum.com/news/details/3263450
  4. https://www.dostor.org/2799207?utm_source=chatgpt.com وكذلك https://n9.cl/u2edy
  5. https://karkariya.com/?utm_source=chatgpt.com
  6. https://www.dostor.org/3672425
  7. https://n9.cl/u0t99
  8. https://n9.cl/qf8zu6
  9. https://n9.cl/mcyud
  10. https://n9.cl/u2edy
  11. https://n9.cl/vnwp4k
  12. https://n9.cl/tcevs
  13. https://samerislamboli.com/?p=7942
  14. https://n9.cl/mcyud
  15. https://www.facebook.com/share/p/1G9yoZFWgD/
  16. https://n9.cl/hjqhb
  17. https://www.elbalad.news/6327402
  18. https://karkariya.com/
  19. https://www.elbalad.news/6327402
  20. https://n9.cl/hjqhb
نسخة PDF من المادة

من باب إحصائيات وتحليلات

أعجبك هذا المستوى من التحرير؟

اشترك ليصلك كل عدد فور صدوره — إشعار واحد شهريًا.