مدارك — الصفحة الرئيسيةمجلة شهرية علمية
في بيان حقيقة الصوفية
شبهات تحت المجهر

مفهوم التوحيد بين التقرير الشرعي والانحراف الصوفي

د. محمد بن متعب البشري 5 دقائق قراءةرجب 1447 هـديسمبر 2025 م 25
مفهوم التوحيد بين التقرير الشرعي والانحراف الصوفي

يهدف هذا المقال إلى تحرير مفهوم التوحيد كما قرره القرآن الكريم والسنة النبوية، وبيانه بياناً علمياً محكماً، وتفكيك الشبهة المركزية التي تقوم عليها تلك الممارسات، والأفكار العقدية المنحرفة، وبيان موضع الخلل العقدي الذي نشأ عند طوائف صرفت بعض أنواع العبادة لغير الله، مع التركيز على الجذور الفكرية لبعض الممارسات الصوفية المخالفة لمقتضى التوحيد؛ لأنه هو الركيزة الأولى في البناء العقدي للإسلام، وأساس الرسالات السماوية جميعاً، وبه يتميز الإيمان الحق عن سائر صور الاعتقاد المنحرف، وقد قرر القرآن الكريم هذا الأصل تقريراً محكماً، وربط بين صحة الاعتقاد وصحة العمل، فجعل التوحيد قائماً على إفراد الله بالعبادة قولاً وعملاً، ظاهراً وباطناً؛

 

غير أن هذا المفهوم الجوهري تعرض عبر التاريخ لجملة من الاختلالات المنهجية، لم تنشأ - في الغالب - من إنكار وجود الله أو الجحود بأفعاله، وإنما من الخلل في تحديد حقيقة العبادة ومحلها، ومن الفصل غير المشروع بين ما يجب لله من الأفعال، وما يجب له من أفعال العباد.

 

وانطلاقاً من هذا الإشكال، يسعى هذا المقال إلى تحرير مفهوم التوحيد تحريراً علمياً منضبطاً، يبين أن جوهر الخلاف العقدي بين أهل التوحيد ومن خالفهم لم يكن يوماً في الإقرار بربوبية الله، وإنما في إفراده بالعبادة، كما قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، فدعوة الرسل جميعاً، كما يقرر القرآن، لم تكن دعوة نظرية لإثبات وجود الخالق بل دعوة عملية لإفراده بالقصد والتقرب، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، فالأمر بالعبادة هو لب الرسالة، ومحور الصراع بين الحق والباطل عبر تاريخ البشرية.

 

ولو كان التوحيد المقصود في خطاب الوحي هو مجرد الإقرار بأن الله هو الخالق الرازق المدبر، لما كان لبعثة الرسل معنى؛ لأن هذا القدر من الإقرار كان حاصلاً عند الأمم التي بعث فيهم الأنبياء؛ وقد أخبر القرآن أن المشركين كانوا يقرون بأن الله هو الخالق الرازق المدبر، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدْبِرُ الْأَمْرَ، فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٨ - ٨٩]؛ ومع ذلك لم يعدهم موحدين؛ بل وصفهم بالشرك، وقاتلهم النبي على هذا الأساس، وهذا يدل دلالة قاطعة على أن التوحيد الذي جاءت به الرسل ليس هو توحيد الربوبية وحده، وإنما توحيد العبادة، أي إفراد الله بجميع أنواع القصد والتقرب.

 

ومن هنا يتضح أن أصل الإشكال العقدي عند كثير ممن صرفوا العبادة لغير الله يتمثل في اعتقادهم أن التوحيد هو الإيمان بأفعال الله وحدها، وأن أفعال العباد لا تدخل في حقيقته، وبناءً على هذا الفهم المختل، أخرجت أعمال القلوب والجوارح التعبدية من مفهوم التوحيد، فظُنّ أن الدعاء أو التضرع أو الاستغاثة أو النذر لغير الله لا ينافي التوحيد ما دام الاعتقاد أن الله هو الخالق الرازق المدبر، وهذا التصور هو الأساس النظري الذي قامت عليه كثير من الانحرافات الصوفية، حيث غُيّب مفهوم العبادة عن معناه الشرعي، وحُصر في مجرد المعرفة أو التصديق القلبي.

 

غير أن هذا الفهم يصطدم صداماً مباشراً مع النصوص الشرعية، التي قررت أن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، وأن صرف شيء منها لغير الله شرك مهما كانت النيات أو المسميات، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شريكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]، فالدعاء عبادة بنص السنة، كما قال النبي ﷺ: «الدعاء هو العبادة» (رواه الترمذي)، وقد نهى الله صراحة عن صرفه لغيره بقوله: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].

 

وكذلك الذبح والنذر والخوف والرجاء والتوكل، كلها عبادات لا يجوز صرفها إلا لله وحده، ومن صرفها لغيره فقد ناقض أصل التوحيد الذي بعثت به الرسل. ولو قُبل القول بحصر التوحيد في الإيمان بأفعال الله وحدها للزم من ذلك لوازم باطلة شرعاً وعقلاً، منها أن يكون مشركو قريش موحدين، وأن يكون بعث الرسل بلا موجب، وأن يكون الجهاد في سبيل التوحيد عدواناً لا مبرر له، وهذه لوازم لا يقول بها مسلم، مما يدل على بطلان الأصل الذي بُني عليها هذا الفهم.

 

وعند تنزيل ميزان التوحيد على الواقع المعاصر، يتبين أن كثيراً من الممارسات الصوفية المنتشرة، كدعاء الأموات، والاستغاثة بالأولياء، وتعليق القلوب بالمشايخ والقبور، إنما نشأت من هذا الخلل، حيث فُصل بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وهو فصل لم يعرفه السلف الصالح، ولا دل عليه دليل صحيح من الكتاب أو السنة، بل أبطله القرآن بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، ولم يكن أولئك الذين وقعوا في هذه الممارسات ينكرون الله أو يجحدون أفعاله، وإنما ظنوا أن صرف العبادة لغيره لا يناقض التوحيد ما داموا يقرون بربوبيته.

 

وبهذا يتبين أن كثيراً من الانحرافات الصوفية المعاصرة إنما نشأت من عدم إدراك حقيقة التوحيد كما قرره الوحي، حيث فُهم التوحيد على أنه مجرد الإقرار بوجود الله والإيمان بأفعاله سبحانه، وأخرجت أفعال العباد عن مفهومه، وبناءً على هذا الفهم، صرفت أنواع من العبادة كالدعاء والتضرع والاستغاثة لغير الله، بزعم أن ذلك لا ينافي التوحيد؛ غير أن التوحيد الذي جاءت به الرسل هو إفراد الله بأفعاله سبحانه، وإفراده وحده بأفعال العباد التعبدية، ظاهرها وباطنها، وكل تصور يفصل بين الجانبين يفتح باب الشرك، مهما تلونت مسمياته أو تزينت شعاراته، ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة تصحيح مفهوم التوحيد تصحيحاً علمياً راسخاً، يعيد لهذا الأصل مكانته في البناء العقدي، ويواجه الانحرافات المعاصرة بالحجة والبيان، لا بمجرد الرفض أو الإنكار.




نسخة PDF من المادة

من باب شبهات تحت المجهر

مقامات السالكين عند الصوفية: قراءة عقدية نقدية (1)
شبهات تحت المجهر

مقامات السالكين عند الصوفية: قراءة عقدية نقدية (1)

تعتبر مقامات السالكين عند الفكر الصوفي- بحسب تصورهم- مراحل متدرجة يمر بها السالك عبر المجاهدة، والرياضة، والذكر، والعزلة، حتى يبلغ الغاية التي يسمونها: الإنسان الكامل أو الولاية الخاصة، ويربطون هذه المرتبة بحصول الفناء…

د. محمد بن متعب البشري6 دقائقالعدد 7
نفي وقوع الشرك في الأمة الإسلامية في الفكر الصوفي: دراسة نقدية في ضوء النصوص الشرعية
شبهات تحت المجهر

نفي وقوع الشرك في الأمة الإسلامية في الفكر الصوفي: دراسة نقدية في ضوء النصوص الشرعية

يتناول هذا المقال بالنقد والتحليل مقولة نفي وقوع الشرك في الأمة الإسلامية كما تتبناها بعض الاتجاهات الصوفية المعاصرة، حيث تقوم هذه الدعوى على أن جميع المنتسبين إلى الإسلام داخلون في دائرة التوحيد، وأنه لا يمكن أن يقع…

د. محمد بن متعب البشري8 دقائقالعدد 6
البنية الاستدلالية في آية سبأ وأثرها في إبطال الإشكالات العقدية
شبهات تحت المجهر

البنية الاستدلالية في آية سبأ وأثرها في إبطال الإشكالات العقدية

تُعَدُّ مسألةُ الشِّرك من القضايا العقدية المركزية التي عالجها القرآن الكريم بمنهجٍ استدلاليٍّ مُحكَم، قائمٍ على تفكيك الأسس العقلية التي ينطلق منها المشرك في تعلُّقه بغير الله تعالى؛ ذلك أنَّ المشرك لا يتخذ معبوده من…

د. محمد بن متعب البشري4 دقائقالعدد 5

أعجبك هذا المستوى من التحرير؟

اشترك ليصلك كل عدد فور صدوره — إشعار واحد شهريًا.