أبو مُغيث الحلّاج: أقوالٌ مُشكِلة ومواقفُ فقهاء عصره
لجنة بحوث مجلة مدارك
يُعدّ أبو مُغيث الحسين بن منصور الحلّاج من أشهر الشخصيات المرتبطة بتاريخ التصوف في بغداد وما حولها، وقد اختلف الناس فيه اختلافًا شديدًا: فمنهم من بالغ في تعظيمه، ومنهم من اشتدّ في إنكاره والحكم عليه. وتكاد ترجمته تُصبح نموذجًا كلاسيكيًّا لإشكالٍ منهجيٍّ يتكرر في التاريخ: التديّن في الصورة، والاضطراب في العبارة والدعوى.
أولًا: تعريف موجز بالشخصية
ينقل ابن خلكان في ترجمته أن الحلّاج “الزاهد المشهور” من أهل البيضاء بفارس، ونشأ بواسط والعراق، وأنه صحب أبا القاسم الجنيد وغيره، مع تقريره أن الناس مختلفون فيه اختلافًا بيّنًا. كما أشار إلى أن من ألفاظه ما يستنكره السمع، وأن الغزالي اعتذر له عن بعض تلك الإطلاقات في “مشكاة الأنوار”. وهذا النقل مهم لأنه يجمع بين: إثبات شهرته بالزهد، وذكر اتصالٍ بأهل التصوف، والتنبيه إلى موضع الإشكال في “الإطلاقات” المنسوبة إليه.
ثانيًا: أشهر مقولاته المثبتة في المصادر
أثبت ابن خلكان ـ بوصفه شاهد نقلٍ تاريخيّ ـ أن من الإطلاقات التي نُسبت إلى الحلّاج قوله: “أنا الحق”، وقوله: “ما في الجبّة إلا الله”، وعلّق عليها بأنها “إطلاقاتٌ ينبو السمع عنها وعن ذكرها”. وهذا هو القدر الذي يصلح للاحتجاج التاريخي هنا: مقولاتٌ نُقلت بنصِّها وذُكرت ضمن سياق الاعتراض عليها، دون توسّع في المنسوبات التي لا يثبت نصُّها.
وفي سياقٍ قريب، نقل الذهبي في ترجمته ضمن “السير” خبرًا عن السُّلَمي: أن الحلّاج وقف على الجنيد فقال: “أنا الحق”، فكان ردّ الجنيد عليه: “بل أنت بالحق، أي خشبة تفسد”. وهذه الرواية ـ بصرف النظر عن تفاصيلها ـ تُظهر أن العبارة أُخذت عليه داخل الدائرة الصوفية نفسها، وأنها عُدَّت عند بعض مشايخهم موضع نكيرٍ لا موضع تزكية.
ثالثًا: ردود علماء أهل السنة المعاصرين له على شبهاته
من أوضح ما يميز موقف علماء عصره أن النقد لم يقتصر على الوعظ العام، بل تمحور حول ميزان التلقي والاستدلال: هل تُوزن الدعوى بالكتاب والسنة أم تُؤخذ بذوقٍ وكشفٍ وعباراتٍ محتملة؟
ينقل الذهبي عن أبي يعقوب النعماني قوله: سمعت أبا بكر محمد بن داود الفقيه يقول: “إن كان ما أنزل الله على نبيه حقًّا، فما يقول الحلاج باطل”، ويذكر أنه كان شديدًا عليه. وهذه الصياغة تُحيل على أصلٍ سنيّ واضح: الحق الذي جاء به الوحي معيارٌ يُمتحن به كل قول، لا العكس.
وينقل الذهبي ـ أيضًا من طريق السُّلَمي ـ خبرًا عن حال اجتماع الفقهاء عند إرادة قتله، وأنهم سألوه: “ما البرهان؟” فذكر جوابًا، ثم قال: “فقالوا بأجمعهم: هذا كلام أهل الزندقة”. والمهم هنا ليس تفاصيل المحاكمة، بل دلالة العبارة: أن الدعوى إذا لم تُقم على برهانٍ شرعيٍّ منضبط تحولت عند الفقهاء إلى تهمة زندقة؛ لأن باب “الدعاوى الباطنية” إذا فُتح أفسد الدين من داخله.
ويذكر الذهبي في السياق نفسه نقلًا عن ابن الجوزي: أن أبا الوفاء بن عقيل قال: “كنت قد اعتقدت في الحلاج ونصرته في جزء، وأنا تائب إلى الله منه، وقد قتل بإجماع فقهاء عصره، فأصابوا وأخطأ هو وحده”. وهذا نصٌّ شديد الدلالة من جهة توثيق موقفٍ فقهيٍّ عامٍّ في زمانه: أن المسألة لم تكن “خلاف ذوق” بين أهل طريق، بل كانت حكمًا عند فقهاء العصر مبنيًّا على ما رأوه من انحرافٍ في المقال والدعوى.
وكان من سعى في قتله وعقد له مجلساً وحكم عليه فيه بما يستحقه من القتل هو القاضي أبو عمر محمد بن يوسف المالكي رحمه الله . وقد امتدحه ابن كثير على ذلك فقال : وكان من أكبر صواب أحكامه وأصوبها قَتْلَهُ الحسين بن منصور الحلاج اهـ (البداية والنهاية 11/172).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( مَنْ اعْتَقَدَ مَا يَعْتَقِدُهُ الْحَلاجُ مِنْ الْمَقَالاتِ الَّتِي قُتِلَ الْحَلاجُ عَلَيْهَا فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ; فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا قَتَلُوهُ عَلَى الْحُلُولِ وَالاتِّحَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَقَالاتِ أَهْلِ الزَّنْدَقَةِ وَالإِلْحَادِ كَقَوْلِهِ : أَنَا اللَّهُ . وَقَوْلِهِ : إلَهٌ فِي السَّمَاءِ وَإِلَهٌ فِي الأَرْضِ . . . وَالْحَلاجُ كَانَتْ لَهُ مخاريق وَأَنْوَاعٌ مِنْ السِّحْرِ وَلَهُ كُتُبٌ مَنْسُوبَةٌ إلَيْهِ فِي السِّحْرِ . وَبِالْجُمْلَةِ فَلا خِلافَ بَيْنِ الأُمَّةِ أَنَّ مَنْ قَالَ بِحُلُولِ اللَّهِ فِي الْبَشَرِ وَاتِّحَادِهِ بِهِ وَأَنَّ الْبَشَرَ يَكُونُ إلَهًا وَهَذَا مِنْ الآلِهَةِ : فَهُوَ كَافِرٌ مُبَاحُ الدَّمِ وَعَلَى هَذَا قُتِلَ الْحَلاجُ )اهـ



