يَصعُب الحديث عن أحمد بن عليّ البدوي (المعروف في الوجدان المصري بـ“السيد البدوي”) دون تمييزٍ صارم بين ثلاث طبقات من المعرفة:
(1) ما يرويه كتّابُ الطبقات الصوفية من أخبارٍ ومناقب،
(2) ما تراكم في التدين الشعبي من أساطير وطقوس حول الضريح والمولد،
(3) وما يَثبت أو يُرَدّ حين يُعرض الجميع على محكمات الوحي وأصول النقد التاريخي.
تقدّم لنا كتبُ المناقب الصوفية صورةً مبكّرة عن البدوي: مولده بالمغرب، ثم انتقاله إلى مكة، ثم توجّهه إلى “طندتا/طنطا” بأمرٍ رآه في المنام في شوال سنة 633هـ، وأنه كان شديد الستر “كثير التلثم” حتى لقبوه بالبدوي، وأنه كان في مكة يُعرف بالشجاعة، ثم طرأ عليه ما سُمّي “حادث الوله” فاعتزل الناس ولازم الصمت، وصار لا يكلم إلا بالإشارة، ويعلّل بعض العارفين هذا التحول بأنه “جمعية على الحق” استغرقته. ويزيد ناقلو الرواية أنه لما قصد العراق لقي “أشياخها” ومنهم عبد القادر الجيلاني وأحمد الرفاعي، وأنهما عرضا عليه “مفاتيح” الأقاليم فرفض قائلاً: لا آخذ المفتاح إلا من الفتاح. هذه الرواية بذاتها تكشف طبيعة الأدب المناقبي: أحداث تُساق للتعظيم لا للتحقيق؛ إذ إن لقاء البدوي بالجيلاني والرفاعي ـ على ظاهره ـ يثير إشكالاً تاريخياً واضحاً بسبب الفارق الزمني، مما يرجّح أن القصة تُروى بروح الإشارة والتمثيل أو تُقبل عند أهلها على أنها كرامة/لقاء معنوي، لا واقعة تاريخية قابلة للتوثيق الدقيق. ومع ذلك، تُستعمل لاحقاً في تشكيل “الهيبة” حول الشخصية، وتُغذّي قابلية المجتمع لتلقي الخوارق بلا ضابط.
ومن أصرح ما يبرز أثر “التقديس” على حساب “التعبد” ما يورده بعضُ مصنفي طبقات الصوفية أنفسهم في سياق الخلوة والعزلة. فقد نُقل عن عبد الرؤوف المناوي أنه ذكر إقامة البدوي بطنطا على سطح دار “لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً” مدة اثنتي عشرة سنة، وأنه إذا عرض له الحال صاح صياحاً عظيماً. وهذه الصياغة ـ حتى لو قصدت تعظيم شأن المجاهدة ـ تفتح سؤالاً شرعياً لا مهرب منه: كيف تُفهم عزلةٌ بهذا الامتداد مع المحافظة على شعائر الجماعة والجمعة؟ قد يقول قائل: لعله كان ينزل للصلاة ثم يعود، لكن النص المتداول يصوّر ملازمةً تامة “لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً”، وهو ما يجعل الغياب عن الجمعة والجماعات نتيجةً قريبة بحسب الظاهر والعادة، لا سيما في مجتمعٍ تُعاش فيه الصلاة جماعةً بوصفها هويةً يومية. ومن هنا نشأت في السجال المعاصر ـ حتى من داخل المجال الصوفي ـ إشاراتٌ إلى لقب “السطوحي” وربطه بالمقام على السطوح، وتحوّل الأمر إلى مادة نقدٍ شعبية: إذا كانت الولاية تُقاس باتباع الرسول وعمارة الفرائض، فكيف تُجعل “الخلوة” ذريعةً لتقديم الحكاية على العبادة؟
ولأن البدوي شخصيةٌ خلافية، فإن الإنصاف يقتضي أمرين معاً:
عدم الجزم بما لم يثبت بسندٍ مضبوط وتاريخٍ محقق،
وعدم تمرير ما يخالف أصول الدين باسم “المحبة” و“البركة”. فالمشكلة في التجربة الصوفية ـ حين تنفلت من الشريعة ـ ليست في “تزكية النفس” من حيث المبدأ، بل في تحويل الوليّ إلى مركز تدينٍ بديل: الاستغاثات، والنذور للقبور، واعتقاد التصرف في الكون، وتقديم المنامات والكشوف على النص، ثم بناء مواسم ضخمة حول الضريح تُستهلك فيها العاطفة الدينية وتذبل معها المعرفة والاتباع.
ومن زاوية علم الاجتماع الديني: تُنتج هذه الصورة تديناً احتفالياً أكثر منه تديناً التزامياً؛ إذ تُستبدل العبادة المنضبطة بطقوس جماهيرية تمنح شعوراً سريعاً بالانتماء والطمأنينة، لكنها قد تُضعف “المسؤولية الفردية” عن التكاليف، وتخلق سوقاً للرموز والبركات، وتُعيد توزيع السلطة الدينية من العلم والفقه إلى الكرامة والحكاية. وحين يعترض المجتمع على هذه المظاهر فهو ـ في جانب معتبر ـ يعترض على تشوّه معيار القدوة: القدوة عنده هي من دلّ على الله بطاعة الله، لا من اشتهر بالقصص والخوارق.
إن خلاصة النظر النقدي في أحمد البدوي ليست “الطعن في الأعيان” ولا التشفي من الرموز، وإنما إعادة ضبط البوصلة: الولاية الحقة تُعرف بلزوم السنة وتعظيم الفرائض واجتناب الشرك والبدع، وما عدا ذلك ـ مهما زخرفه القصّاص ـ يبقى محتاجاً إلى ميزانٍ يردّ الغلوّ إلى العدل، ويعيد التدين من “الموسم” إلى “المسجد”، ومن “الحكاية” إلى “الحجة”.



