لم يكن ظهور عدد من الشخصيات المنتمية إلى الأوساط الصوفية المصرية، وأبرزهم الدكتور عبد الحليم الحسيني، في فعالية أقامتها السفارة الإيرانية بالقاهرة لتقديم العزاء في مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي والحديث عن التقريب بين السنة والشيعة وما تضمنته بعض الكلمات من إشادات بالرجل والدفاع عن مشروع "التقريب بين المذاهب" سوى حلقة جديدة في مسار ممتد من محاولات طهران توظيف القوة الناعمة لبناء الجسور مع بعض البيئات الصوفية في العالم السني، وفي مقدمتها مصر.
ولا ينبغي النظر إلى مثل هذه الوقائع -التي سنسلط الضوء عليها لاحقا- باعتبارها أحداثا بروتوكولية عابرة بل بوصفها مؤشرا يستحق التوقف عنده لفهم الخلفيات الفكرية والسياسية التي تحكم هذا النوع من العلاقات وكيف أصبحت الطرق الصوفية بالنسبة لإيران إحدى القنوات التي تسعى من خلالها إلى توسيع نفوذها الثقافي والديني بعيدا عن أدواتها التقليدية.
فمنذ انتصار الثورة الخمينية عام 1979م أولت إيران اهتماما متزايدا بما بات يعرف في الأدبيات السياسية بالقوة الناعمة، فلم يقتصر الحضور الإيراني في العالم العربي والإسلامي على القوة الصلبة وذلك من خلال دعمها للحركات المسلحة أو النفوذ العسكري كما هو الحال مثلا في العراق أو لبنان، وهو ما دفعها إلى الاهتمام بالتصوف وطرقه لا سيما في البلدان السنية وفي مقدمتها مصر.
وبالطبع فإن هذا الاهتمام الإيراني بالطرق الصوفية ليس مجرد اهتمام فكري أو أكاديمي أو حتى ديني وإنما جاء ضمن رؤية أوسع تسعى إلى إيجاد قنوات اتصال مع المجتمعات السنية التي يصعب النفاذ إليها عبر الخطاب الشيعي التقليدي المباشر الذي يلقى بطبيعة الحال رفضا شديدا.
لماذا مصر؟
بيد أن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه هو: لماذا أولت إيران كل هذا الاهتمام بالطرق الصوفية في مصر على وجه الخصوص؟ وما الذي جعلها تحظى بهذه المكانة ضمن حسابات السياسة الإيرانية القائمة على القوة الناعمة؟
وللإجابة عن هذه التساؤلات لا بد من التأكيد أولا على أن اختيار مصر لم يكن محض مصادفة أو قرارا عابرا وإنما جاء لعدة اعتبارات جيوسياسية وثقافية ورمزية لعل أبرزها:
- إدراك إيران لطبيعة المكانة الدينية والتاريخية والسياسية التي تتمتع بها مصر في العالمين العربي والإسلامي خاصة وأنها أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان.
- أن مصر واحدة من أكبر البيئات الصوفية من حيث عدد الطرق والأتباع، فبها نحو 77 طريقة منها 67 مسجلة بالمجلس الأعلى للطرق الصوفية تضم بحسب إحصاءاته نحو ستة ملايين من الأتباع والمحبين وهو ما جعلها هدفا مثاليا لاستراتيجية النفوذ الناعم التي تبنتها طهران منذ قيام الثورة الإسلامية.
- الوعي الإيراني المبكر بأن أي حضور داخل المجتمع المصري -مهما كان محدودا- يختلف في أثره ورمزيته عن الحضور في كثير من الدول الأخرى، فمصر تمثل أحد أهم المراكز المرجعية للعالم السني لاسيما وأن بها الأزهر الشريف بما له من ثقل ديني في العالمين العربي والإسلامي.
- لا يخفى على إيران وغيرها ما تحتله الموالد والأضرحة من مكانة راسخة في الوجدان الشعبي المصري خاصة لدى قطاعات جماهيرية من المنتسبين للصوفية، إذ يوجد بمصر نحو 2850 مولدا( ) وهو ما وفر - من وجهة النظر الإيرانية - أرضية ثقافية وروحية يمكن البناء عليها لفتح قنوات للتواصل والتقارب.
- كما تدرك إيران أن الطرق الصوفية أقل انخراطا في السجالات العقدية، وهو ما جعلها بيئة أكثر قابلية لما تطرحه إيران بعيدا عن المواجهات الفكرية المباشرة.
سياسة رسمية
والحقيقة أن هذا التوجه لم يكن مجرد اجتهاد لمؤسسات ثقافية أو دينية بل هو انعكاس لرؤية رسمية تبنتها القيادة الإيرانية وحرصت على تحويلها إلى جزء من أدوات السياسة الخارجية، ومن أبرزها مثلا منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية التي تأسست عام 1995 لتكون الذراع الثقافية الرسمية للجمهورية الإيرانية، حيث تولت إدارة المراكز الثقافية الإيرانية في عشرات الدول، وتنظيم المؤتمرات والندوات وبرامج التبادل الثقافي، واستضافة الوفود الدينية والفكرية.
ويأتي ما يسمى بالمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية الذي تأسس عام 1990م كنموذج آخر، فهو يمثل إحدى أهم أدوات التواصل الإيراني مع البيئات السنية بما فيها الأوساط الصوفية، وليكون أداة من أدوات الدبلوماسية الدينية والقوة الناعمة.
أدوات التنفيذ
ولكي تتمكن إيران من تنفيذ إستراتيجيتها الثقافية والدينية كان لا بد من أن تعتمد حزمة من الأدوات والآليات التي مكّنتها من بناء علاقات تدريجية مع عدد من البيئات السنية وفي مقدمتها الأوساط الصوفية، فلم يكن التحرك الإيراني قائما على الدعوة المباشرة إلى التشيع وإنما على سياسة النفس الطويل عبر أنشطة ثقافية ودينية واجتماعية بدت في ظاهرها أقرب إلى الحوار والتبادل الفكري بينما خدمت في جوهرها أهداف السياسة الخارجية الإيرانية.
وتنوعت هذه الأدوات بين تنظيم المؤتمرات والندوات الدولية التي تناولت قضايا التقريب بين المذاهب والحوار الإسلامي، واستضافة عدد من الشخصيات الدينية والفكرية في زيارات رسمية إلى إيران، فضلا عن إرسال الوفود الثقافية والدينية إلى عدد من الدول الإسلامية، وإقامة معارض الكتب والأسابيع الثقافية، وترجمة ونشر المؤلفات التي تعكس الرؤية الإيرانية إلى جانب توظيف المراكز الثقافية الإيرانية في الخارج لتكون منصات للحوار والتواصل مع النخب الدينية والفكرية.
كما أولت المؤسسات الإيرانية اهتماما خاصا ببناء علاقات مع بعض الرموز الصوفية سواء من خلال دعوتهم للمشاركة في المؤتمرات والملتقيات أو الاحتفاء بهم في وسائل الإعلام الإيرانية أو فتح قنوات تواصل مع الطرق الصوفية عبر مؤسسات التقريب والحوار الإسلامي وهو ما وفّر لإيران فرصة للوجود داخل دوائر يصعب الوصول إليها عبر القنوات السياسية التقليدية.
ومن اللافت أن هذه الأدوات لم تكن تتحرك بمعزل عن بعضها بل جاءت ضمن استراتيجية متكاملة وتكوين شبكة من الاتصالات والرموز التي يمكن توظيفها عند الحاجة لخدمة المصالح السياسية والإستراتيجية لإيران.
قواسم مشتركة
غير أن نجاح هذه الأدوات لم يكن ليتحقق لولا وجود عدد من القواسم المشتركة التي رأت إيران أنها تمثل أرضية مناسبة لبناء جسور التواصل مع بعض الأوساط الصوفية في مصر وغيرها وهو ما سعت إلى استثماره في خطابها الديني والثقافي.
ويبرز من هذه القواسم: المبالغة في دعوى محبة آل البيت رضي الله عنهم، وذلك من خلال تعظيم المقامات والمزارات وما يرتبط بها من زيارات ومواسم واحتفالات تاريخية خاصة كعاشوراء حيث مقتل الحسين رضي الله عنه في معركة كربلاء، وإقامة الموالد لبعض آل البيت كمولد السيدة زينب والسيدة نفيسة والحسين حيث يُحسن أتباع إيران استغلال مثل هذه المناسبات.
كما يأتي ما يطلق عليه "مركزية الولاية" ورفع مقام أشخاص معينين كقاسم مشترك، ففي التشيع تعد الولاية ركنًا أساسيًا، فالإمام معصوم له ولاية تكوينية أو تشريعية وهو حجة الله بعد النبي وتُطلب منه الشفاعة والمدد، وفي التصوف تعد الولاية مفهوما مركزيا أيضا حيث للولي أو الشيخ كرامات، وقد يوصف بـ"الغوث" أو "القطب" الذي يدبر شؤون الكون روحيا ويُتوسل به حيا وميتا.
إستراتيجية التوظيف
ورغم هذه القواسم المشتركة بين التصوف والتشيع إلا أن إيران اتجهت إلى تبني استراتيجية أكثر هدوءًا وتدرجا لمخاطبة التصوف المصري حيث تقوم هذه الإستراتيجية على تعظيم نقاط الاتفاق وتأجيل القضايا الخلافية بما يسمح ببناء علاقات مستقرة مع شخصيات ومؤسسات صوفية مؤثرة.
ولعل ذلك يفسر أن الخطاب الإيراني لم يركز في لقاءاته مع الرموز الصوفية المصرية على المسائل العقدية التي ربما تمثل موضع خلاف أو إدراكا منها أن طرحها سيثير ضجة لا تحمد نتائجها ما أسهم في إيجاد مساحات للحوار مع بعض الشخصيات الصوفية التي رأت في تلك العناوين قضايا يمكن الالتقاء حولها بصرف النظر عن استمرار الخلافات المذهبية.
وقائع وشواهد
وإذا كانت المؤشرات السابقة تكشف عن وجود رؤية إيرانية واضحة للتعامل مع التصوف المصري فإن السؤال الذي يظل مطروحا هو: إلى أي مدى تم ترجمة هذه الرؤية إلى ممارسات عملية؟
ولعل الإجابة عن هذا السؤال تقتضي الوقوف أمام عدد من الوقائع والأنشطة التي شهدتها الساحة المصرية خلال العقود الماضية والتي تعكس طبيعة ومستوى الاهتمام الإيراني بالطرق الصوفية ورموزها ومنها مثلا:
- عقد الطريقة العزمية مؤتمرًا تحت شعار "التقريب بين المذاهب" في القاهرة عام 2007م وهو المؤتمر الذي عدّه الباحثون من أبرز الوقائع للحديث عن التقارب بين بعض الأوساط الصوفية وإيران حيث شارك فيه عدد من الشخصيات الدينية والسياسية، فيما تضمّنت فعالياته رسائل تدعو إلى تجاوز الخلاف السني – الشيعي وتعزيز الحوار بين المذهبين.
- قيام وفد مصري ضم عددا من القيادات الصوفية بزيارة إلى إيران عقب ثورة يناير 2011 وقد التقى بالرئيس الإيراني آنذاك محمود أحمدي نجاد ووزير الخارجية علي أكبر صالحي وعدد من المسؤولين الإيرانيين بينما تناولت اللقاءات مستقبل العلاقات المصرية الإيرانية وإمكان تطوير التعاون في مجالات من بينها السياحة الدينية والعلاقات الثقافية وهو ما يعكس اهتمام طهران بإقامة قنوات اتصال مع الصوفية.
- واصلت المؤسسات الإيرانية، وفي مقدمتها المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية ومنظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية، خلال العقدين الأخيرين دعوة شخصيات صوفية مصرية للمشاركة في مؤتمرات وندوات تحمل عناوين الحوار والوحدة الإسلامية والتقريب بين المذاهب أمثال الدكتور علاء أبو العزائم شيخ الطريقة العزمية.
- كما شهدت القاهرة مؤخرا مشاركة بعض الشخصيات المحسوبة على الأوساط الصوفية في فعالية أقامتها السفارة الإيرانية لتقديم العزاء في مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي حيث تضمنت الكلمات التي ألقيت خلال المناسبة إشادات بالمرشد الإيراني والدفاع عن مشروع "التقريب بين المذاهب" وهو ما يعكس استمرار الرهان الإيراني على هذا المسار بوصفه إحدى أدوات القوة الناعمة وبناء العلاقات مع بعض الرموز الصوفية.
وختاما؛ فإنه وعلى الرغم من أن الوقائع السابقة تكشف عن وجود سياسة إيرانية واضحة تجاه التصوف المصري فإنها لا تقدم وحدها الصورة الكاملة، فالعلاقة بين الطرفين تبدو أكثر تعقيدا من أن تختزل في زيارات أو مؤتمرات أو لقاءات، كما أنها لا تسمح بإطلاق أحكام عامة على جميع الطرق الصوفية ومن ثم فإن فهم هذه العلاقة يقتضي الانتقال إلى مستوى آخر من التحليل يتناول طبيعة المشتركات الفكرية والعقدية بين التصوف والتشيع وحدود تأثيرها وأسباب تركيز إيران على طرق بعينها، والعوامل التي حالت دون نجاحها في تحقيق اختراق شامل فضلا عن مسؤولية المؤسسات السنية في حماية الهوية العقدية للمجتمع، وهي القضايا التي سنتناولها في الجزء الثاني بإذن الله.


