مدارك — الصفحة الرئيسيةمجلة شهرية علمية
في بيان حقيقة الصوفية
عصارة الكتب

كتاب «موقف ابن تيمية من الصوفية»: حين يُقرأ التصوف بميزان التحرير لا بشعارات الخصومة

لجنة البحوث والدراسات بمجلة مدارك 5 دقائق قراءةشوال 1447 هـمارس 2026 م 23
كتاب «موقف ابن تيمية من الصوفية»: حين يُقرأ التصوف بميزان التحرير لا بشعارات الخصومة

بطاقة الكتاب : 

اسم الكتاب: موقف ابن تيمية من الصوفية
المؤلف: د. محمد بن عبد الرحمن العريفي
الناشر: مكتبة دار المنهاج – الرياض
الطبعة: الأولى
سنة الطبع: 1430هـ
نوع الكتاب: أصله رسالة علمية لنيل درجة الدكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
عدد الأجزاء: جزآن. 

هذا الكتاب ليس عرضًا عامًا للتصوف، ولا هو تجميع سريع لنصوص شيخ الإسلام ابن تيمية في المتصوفة، بل هو محاولة منهجية لإعادة بناء موقف ابن تيمية من الصوفية من داخل كتبه ومقدماته ومصطلحاته ومسالكه في الحكم على الطوائف. وقيمة الكتاب الحقيقية أنه لا يبدأ من الأحكام الشائعة على ابن تيمية، بل يبدأ من سؤال أدق: كيف كان ابن تيمية يقرأ الفرق أصلًا؟ وكيف طبّق هذا المنهج حين تناول الصوفية؟ ومن هنا جاء تمهيد المؤلف بترجمة موجزة لابن تيمية، ثم إدخال القارئ إلى خلفية الفرق ونشأتها وأصولها قبل الوصول إلى صلب المسألة. 

يُبنى الكتاب في خمسة أبواب متدرجة، وهذا التدرج نفسه من أبرز نقاط قوته.

فالباب الأول مخصص لمصادر ابن تيمية ومنهجه في عرض آراء الفرق الإسلامية ومناقشتها، مع تقويمه لكتب المقالات؛ وهو باب مهم لأنه يفسر لاحقًا لماذا لم يكن ابن تيمية يكتفي بنقل مقالة خصومه، بل كان ينظر في أصلها، ومآلها، ووجه موافقتها أو مخالفتها للوحي.

ثم يأتي الباب الثاني لتعريف الصوفية من حيث النسبة والنشأة والأطوار التاريخية والفرق والأعلام ومصادر التلقي، فيتحول الكتاب من مجرد “رد” إلى عمل تأسيسي يحرر محل النزاع قبل إصدار الأحكام. 

أما الباب الثالث فهو قلب الكتاب العقدي؛ إذ يعرض آراء الصوفية في أبواب الاعتقاد: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، والأسماء والصفات، والنبوة، والولاية، والكرامات، واليوم الآخر، والقدر، والموقف من المعاصي ودرجاتها. وأهمية هذا الباب أنه لا يترك التصوف في صورته الأخلاقية الرخوة التي يلوذ بها كثير من المدافعين عنه، بل ينقله إلى ميدان الاعتقاد، حيث تظهر الفوارق الحاسمة بين الزهد المشروع وبين الانحرافات التي دخلت على كثير من الطرق والمصنفات. وبهذا يلفت الكتاب النظر إلى أن الحكم على التصوف لا يستقيم إذا اقتصر على لغة الوجد والرقائق، وأُهملت أصول التلقي والتوحيد والإيمان. 

ثم ينتقل الباب الرابع إلى الجانب العملي السلوكي، فيتناول وسائل الطريق الصوفي مثل الخلوة، والصمت، والعزلة، والجوع، والسهر، والأوراد والأذكار، كما يتناول معالم الطريق نفسها: المريد وآدابه، والعهد، والبيعة، والتلقين، والخرق، والمرقعات، والتعري. وهذه نقلة مهمة في بناء الكتاب؛ لأنها تُظهر أن المؤلف لا يحصر الإشكال في العقائد المجردة، بل يتعقب أيضًا البنية التربوية والتنظيمية التي تشكل الشخصية الصوفية داخل الطريقة. ومن هنا تظهر الرسالة المركزية للكتاب: أن الانحراف لا ينشأ فقط من مقالة نظرية، بل قد يتولد أيضًا من منهج تربية وطقوس مصاحبة ومصادر تلقي غير منضبطة.

ويبلغ الكتاب ذروته في الباب الخامس، حيث يعرض موقف ابن تيمية من الصوفية عمومًا: موقفه من مصنفاتهم، ومن شخصياتهم، ومن رواياتهم ومروياتهم، ثم يعقد مقارنة إجمالية بين منهجه ومنهج غيره في عرض الصوفية. وهنا تظهر ميزة الكتاب الأبرز: أنه لا يقدم ابن تيمية على صورة الخصم الذي ينسف الجميع بجملة واحدة، ولا على صورة المادح الذي يذيب الفروق بين الزهد السني والتصوف الطرقي، بل يقدمه على طريقته المعروفة في التفصيل؛ يرد ما خالف الكتاب والسنة، ويقبل ما وافقهما، ويفرق بين الأشخاص والأحوال والمراحل، ولا يعمم حكمًا واحدًا على كل من انتسب إلى التصوف. وهذه النقطة بالذات هي التي تجعل الكتاب مفيدًا في تصحيح كثير من التصورات المختزلة حول موقف ابن تيمية. 

والخلاصة التي ينتهي إليها المؤلف واضحة وحادة: أن الصوفية ابتغوا الهداية في غير الكتاب والسنة فضلوا، وأن تقديس الأشخاص كان سببًا رئيسًا في الوقوع في ضلالات وشركيات وبدع، وأن هذه البدع منها ما هو عقدي ومنها ما هو سلوكي، وأن ابن تيمية تولى الرد على ما خالف فيه الصوفية أهل السنة، مع إنصافه لهم وتفصيله في أحوالهم وعدم تعميم الأحكام عليهم وقبوله ما وجد عند بعضهم من حق. وهذه النتيجة تعطي الكتاب نبرته الخاصة؛ فهو ليس كتابةً انفعالية ضد التصوف، بل محاولة لتقنين الحكم عليه من خلال أصول التوحيد، ومناهج التلقي، وقاعدة التفريق بين الحق الذي قد يوجد عند طائفة، والباطل الذي يفسد أصلها أو كثيرًا من مسالكها. 

ومن زاوية تحريرية، يمكن القول إن أفضل ما في الكتاب أنه يُخرج القارئ من الثنائية الساذجة التي كثيرًا ما تحكم الحديث عن ابن تيمية والصوفية: ثنائية “المدح المطلق” أو “الذم المطلق”. فالكتاب يبيّن أن ابن تيمية لم يكن يبني أحكامه على مجرد الألقاب، بل على الحقائق والمضامين؛ فما وافق الوحي قبله، وما خالفه رده، ولو صدر من منتسب إلى الزهد أو العبادة أو الولاية. ولهذا فـ«عصارة» الكتاب ليست مجرد أن ابن تيمية “كان ضد الصوفية” أو “كان منصفًا لهم”، بل إن عصارته الأعمق هي أن الانتساب إلى الزهد لا يعصم من الخطأ، وأن الميزان في الحكم على الطوائف والأفراد إنما هو الكتاب والسنة، مع عدل في الوصف، ودقة في التفصيل، ورفض للتعميم المخل. 

ولهذا يعد الكتاب نافعًا لسببين معًا: الأول أنه يقدم مادة موسعة مرتبة في بنية أكاديمية واضحة، والثاني أنه يفتح للقارئ بابًا مهمًا لفهم منهج ابن تيمية نفسه في الحكم على الفرق، لا على الصوفية وحدهم. فمن يقرأ هذا العمل جيدًا يدرك أن المؤلف لم يرد مجرد استعراض انحرافات الطرق، بل أراد أن يبين كيف كان ابن تيمية يزن المقالات والأحوال، وكيف أن الإنصاف عنده لم يكن تمييعًا، كما أن الحزم لم يكن تهورًا في إطلاق الأحكام. ومن هنا تأتي أهمية الكتاب في زمان كثرت فيه القراءات الانتقائية لتراث ابن تيمية، إمّا لتطويعه في اتجاه الخصومة المجردة، أو لتفريغه من صلابته العقدية باسم “الإنصاف”.





المصادر والإحالات

  1. للإطلاع على الكتاب كاملاً "موقف ابن تيمية من الصوفية" للدكتور محمد العريفي
نسخة PDF من المادة

من باب عصارة الكتب

هل راهن الغرب على التصوف؟ قراءة في كتاب "التصوف بين التمكين والمواجهة"
عصارة الكتب

هل راهن الغرب على التصوف؟ قراءة في كتاب "التصوف بين التمكين والمواجهة"

في هذا الكتاب "التصوف بين التمكين والمواجهة" يرصد الشيخ محمد بن عبد الله المقدي واقع التوجهات الصوفية الحديثة كما هي على أرض الواقع في ضوء المستجدات العالمية التي تسارعت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي وجدت في…

فاطمة عبد الرؤوف4 دقائقالعدد 7
الزهد والتصوف في الإسلام.. قراءة في كتاب "الزهاد الأوائل"
عصارة الكتب

الزهد والتصوف في الإسلام.. قراءة في كتاب "الزهاد الأوائل"

على الرغم من أن كتاب "الزهاد الأوائل" للدكتور مصطفى حلمي أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة صدر في نهاية السبعينيات من القرن الميلادي الماضي إلا أن موضوعه وبعد أكثر من ربع قرن لم يزل يمثل…

فاطمة عبد الرؤوف6 دقائقالعدد 6
قراءة في كتاب: تفسير ابن عربي للقرآن حقيقته وخطره
عصارة الكتب

قراءة في كتاب: تفسير ابن عربي للقرآن حقيقته وخطره

بطاقة الكتاب عنوان الكتاب: تفسير ابن عربي للقرآن: حقيقته وخطره المؤلف: الدكتور محمد السيد حسين الذهبي (ت 1398هـ) الناشر: الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة الطبعة: الثانية عدد الصفحات: 31 صفحة فصول الكتاب: مقدمة، ثم…

لجنة البحوث والدراسات بمجلة مدارك6 دقائقالعدد 5

أعجبك هذا المستوى من التحرير؟

اشترك ليصلك كل عدد فور صدوره — إشعار واحد شهريًا.